منذ اللحظة التي وضعت فيها الحرب الثانية أوزارها عام 1945 وحتى اليوم ، خاض العرب حروبا عديدة ، تبرز منها نكسة 67 كأعمق هزيمة ، بينما يضيء ذكرى حرب 73 كأقوى انتصار، وقبلهما وبعدهما وبينهما هو المراوحة بين منحدر الهزيمة ومرتفع النصر، ولكن كم من ناشئة اليوم يعرفون عن حرب 73 أو 67 أو حتى حرب الخليج في 1990، انتبهت إلى ذلك وأنا ألاحظ أبنائي يتحدثون عن قنبلة هيروشيما، وعن بيرل هاربر وتدمير ألمانيا وانتحار هتلر، مثلما يتحدثون عن هاري بوتر وروايات بوب داون.

حسناً ذلك رائع إنه تاريخ الإنسانية أيضا، ولكن ما السبب الذي يجعلهم يعرفون عنه أكثر مما يعرفون عن تاريخهم الخاص؟ لا شك أن أحد الأسباب هو وجود أكثر من وسيلة تعريف بتاريخ الآخرين منتشرة وفي متناول أيديهم بينما لا يتحقق ذلك لتاريخنا، يسافر أحدهم مع عائلته إلى اليابان، فيجد هيروشيما على الأكواب والقمصان واللوحات.

ويعود بهذه الهدايا لأصحابه لتشتعل رغبتهم في البحث عن هذا الأمر، يذهب إلى ألمانيا فيجد صور الحرب والدمار والرقم 1945 إلى جوار صور العمران والبناء والحياة معروضة في محال التذكارات في كل شارع، فينتبه من هنا إلى هزائمهم وانتصاراتهم وأيامهم بينما لا شيء قريب إلى عالمه ومفضلاته يذكره بأيام العرب وأمجادهم وجراحهم وانكساراتهم، لا شيء يجده عن ذلك في الشارع وفي الطريق وفي المكان الذي يبحث فيه عن قمصان وأقلام وأكواب وهدايا.

لا شك أنها تجارة، ولكنها أيضا تسويق مفيد للمعلومات الهامة، الهزيمة لا تخيف ومشاهدة صورها لا تكسر، ما دمنا قد تجاوزناها نفسيا، مع الحذر من نشر بعض الصور الضارة نفسيا طبعا، وقد يقول قائل : ولكننا لم نتجاوز هزائمنا وظللنا في بوتقتها جيلا بعد جيل، وهذا ليس صحيحا مائة بالمائة، فلقد كان مع كل هزيمة وبعدها فصول وأزمنة من النصر.

فضلا عن قصص البطولات النادرة العظيمة، إضافة إلى إنجازاتنا الكثيرة في زمن السلم، في البناء والعمران والتعليم. ليس صحيحا أننا في الهزيمة فقط من أجيال وأجيال، فلماذا نحجم عن تخليد ذكرياتنا الجمعية، ونعرف صغارنا بما حدث بالطريقة التي يفهمونها ويحبونها. في رمضان يمر ذكرى حرب 73 ومعركة بدر الكبرى، وسيمر الاحتفال بهما باردا لا يصل إلى أسماع وقلوب اليافعين والشباب المنهمكين في أكثر من عالم الكتروني افتراضي، بينما يرافق الاحتفال بالأيام المجيدة في العالم عادة إضافة قطع فنية وتذكارية جديدة إلى جانب المعروض والمتوفر منه.

بالفن والفن البسيط نستطيع فعل الكثير إذن، ونستطيع تقديم ماضينا وأنفسنا إلى المستقبل كما ينبغي، ومن حق الأجيال علينا تبسيط ذلك الكم الهائل من المعلومات والقصص والسير، وليس عدلاً أن يكون تشي غفارا أول من تتعلق أحلام رجولتهم الغضة به، وعندنا كل أولئك الشهداء والقادة والعسكريين المخلصين، الذين لم يفكر أحد يوماً في وضع أسمائهم على قبعة أو قميص أو شال يرتديه الفتيان فيشبوا على أن لهم جذوراً قوية شامخة على هذا الكوكب، تساعدهم على المضي بثبات والوقوف بثقة، وتناول الحياة بجدية وشجاعة.