لا يخفى على أحد ما بذلته الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، من جهود كبيرة لفرض هيمنتهما ونفوذهما على مصر في عهد مبارك، وقد تأتى لهما ذلك بشكل كبير، ومن المؤكد أيضا أن هاتين الجهتين لن تتركا مصر تضيع منهما، أو حتى تخرج من تحت نفوذهما، وسوف تبذلان أقصى جهودهما من أجل بقاء تبعية مصر لهما.

ومن المنطقي والبديهي أن مصر تشكل بالنسبة لواشنطن أهمية غير عادية، بل لا نبالغ إذا قلنا إنها على رأس قائمة اهتمامات السياسة الخارجية الأميركية حاليا، فبقدر أهمية إسرائيل لدى واشنطن تكون أهمية مصر، مع الاختلاف في المصالح، ومن يهيمن على مصر يهيمن على الشرق الأوسط ويتحكم بالتبعية في أمن إسرائيل.

ومن هذا نفهم جيدا أن الأميركيين لن يتركوا مصر تذهب من أيديهم لتصبح مصدر خطر وتهديد لإسرائيل، وسيبذلون كل جهودهم لفرملة عجلات الثورة وإبطاء اندفاعها، حتى يحدوا من طموحاتها ومن جنوحها ضد مصالحهم. وما يحدث الآن ما هو إلا خطة لإغراق مصر في مشاكل داخلية معقدة، تلهيها أولا عن التفكير والإعداد لسياسة خارجية جديدة مخالفة لما كانت عليه في عهد مبارك، وفي نفس الوقت محاولات ومساعٍ جادة ومخطط لها، للهيمنة على مراكز صناعة القرار «القادمة» في مصر.

ونظرا لصعوبة التدخل في العملية الانتخابية القادمة في مصر، باعتبارها التجربة الديمقراطية الأولى، والتي من المتوقع أن تخضع لرقابة غير عادية، فإنه ليس هناك حل سوى السعي للتأثير على الرأي العام المصري، ومحاولة توجيهه لاختيار نظام حكم يتلاءم ويتفق مع توجهات السياسة الأميركية.

وما سمعناه مؤخرا من تصريحات لجهات رسمية أميركية، وما أعلن عنه أمام الكونغرس من أن واشنطن أنفقت أربعين مليون دولار دعما لمنظمات المجتمع المدني في مصر منذ ثورة يناير، وأن 600 منظمة طلبت تمويلا لأنشطتها، .

ورقم 600 منظمة ربما يكون عشوائيا وغير دقيق، لكن الهدف هو إغراء منظمات المجتمع المدني والتشكيلات السياسية، من أحزاب وجمعيات ومراكز دراسات وغيرها، بهذه الملايين، حتى تبادر هي من تلقاء نفسها، وبالتالي تتفادى واشنطن تهمة التدخل في الشأن الداخلي. ويستدل على ذلك بما أعلنته السفارة الأميركية في القاهرة على موقعها على شبكة الإنترنت، عن فتح الباب للراغبين من منظمات المجتمع المدني في مصر للحصول على منح مالية، ولا شك أن هناك الكثيرين ممن سيتنافسون في عرض خدماتهم من أجل المال.

لقد لفت نظري استطلاع للرأي أعلن عنه مؤخرا، أجرته منظمة لحقوق الإنسان في مصر حول أفضلية المرشحين للرئاسة، ووضعت نتائج الاستطلاع عمر سليمان في المقدمة يليه عمرو موسى ثم أحمد شفيق، وكأن ثورة 25 يناير لم تكن ولم تحدث، فالثلاثة من الرموز البارزة لنظام مبارك، إلا إذا كان الاستطلاع أجري على أعضاء الحزب الوطني المنحل.

ورغم سذاجة الاستطلاع ونتائجه، إلا أنه يعطي مؤشرا خطيرا على توجه منظمات المجتمع المدني المصري نحو إرضاء واشنطن وكسب اهتمامها ودعمها، فالذي أجرى أو «فبرك» الاستطلاع، يريد أن يرسل لواشنطن رسالة يقول لها «نحن رجالك هنا في مصر». وسوف نرى الكثير من مثل هذه الاستطلاعات، ومن أنشطة مؤيدة وداعمة لتوجهات السياسة الأميركية ومصالح إسرائيل في مصر، خاصة في ظل حالة الفقر والعجز المالي لدى المنظمات والأحزاب السياسية، ومع غياب التوجيه الإعلامي الوطني الصادق للرأي العام، في ظل سيطرة رجال المال والأعمال على وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، وفي ظل غياب القيادات الوطنية القادرة على جذب الجماهير للالتفاف حولها وتوعيتها لما يحيط بها من مخاطر.