أوتار لإقصاء الخوف

«على هذه الأرض ما يستحق الحياة.. هتافات شعب لمن يصعدون إلى حتفهم باسمين.. وخوف الطغاة من الأغنيات».. أغنية تمجد الأغنيات، خلدها محمود درويش لعشاق الحياة لتخلد صوت بشار زرقان، كلمة وصوت اجتمعا على لحن يتجاوز من لَحَنوا، ويحرر عقولاً جلدها طغاة ليروضوا جمهوراً على ما يطلبه الجمهور.

كثيرون تشابهوا بملامحهم وأصواتهم وكلماتهم، ليمقتهم حتى الابتذال، مدعين لأنفسهم الدلال والطرب، يغادرون الذاكرة سريعاً لأنهم لم يذاكروا سوى موضوع واحد للأغنية هو العشق المستهلك الذي يقتات على كلمات ليس لها معنى، وموسيقى ليس لها مغنى، فلا ينبت في جنباته عشب مثل ذلك الذي ينبت في عشق مارسيل خليفة الذي تغنى بكلمات درويش «كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة وجدنا غريبين معاً».

وقليلون تمايزوا فالتزموا واعتزموا أن يُعلوا للأغنية أثراً يترك بصمة في تكوين العقل، وتلوين الروح، وتعدين الجسد لتحررها كلها من شتى قيودها. فاتفقوا أن يختلفوا عمن سواهم وما أغواهم، واختطوا لأنفسهم دمدمة تليق بإعلاء الحرية وإقصاء الخوف، وتزويج الفرح للأمل، وترويج المحبة، وتتويج حتى العشق النبيل.

تتفتح الذاكرة على الأقرب وتحديداً كلمات محمد منير الذي نزل إلى ميدان التحرير ليواكب ثورة شعب ويغني له «إزاي» يستمر «وحياتك لفضل أغيّر فيكِ لحدّ مترضي عليه» في عتاب لمعشوقة جاوزت حسن النساء «وأنا عشت حياتي بحالها عشان ملمحش في عينك خوف».

ولن تطرب الحواس كلها كما لصوت جاهدة وهبي ولحنها وهما يفضحان الخوف منذ مطلع رائعتها «لا تلتفت إلى الوراء».. «لا تمض إلى الغابة.. ففي الغابة غابة.. ومن يمض إلى الغابة.. بحثاً عن الأشجار.. لن يبحث عنه بعدها في الغابة… دع الخوف.. الخوف يعبق بخوف.. ومن يعبق بخوف يُشمّ... أبطال من يعبقون برائحة أبطال».

أغنية محيرة قليلاً إلا لمن يمعن السمع فالخوف غابة لا يعود قاصدها.. تحيّر جاهدة أما أميمة الخليل فتحتار في أغنيتها «ليه» وتساءل الموتى عن خوفهم.. «حد قالك خاف! خفت ليه؟.. حد قالك توه! تهت ليه؟.. حد قالك شمس بكرة مش هتيجي؟.. حد قالك إن حلمك مش حقيقي؟.. حد قالك موت! مت ليه؟».

تخرج الأغنية الرافضة من حنجرة الرفض «نرفض نحنا نموت»، جوليا بطرس.. تخرج على من يشحنون القلوب بالخوف لتصرخ في وجوههم «عندها لن تستطيعوا وقف ما في النهر من هدير»، جوليا بطرس التي لا يدخل حنجرتها هواء فاسد «أنا بتنفس حرية.. لا تقطع عني الهوا».

تخرج الأغنية الرافضة لتضع أوتار سميح شقير بجرأتها أمام دبابة ويعزف عليها دمه بلا جزع «منكمُ السيف ومنا دمنا.. منكمُ الفولاذ والنار ومنا لحمنا»... «فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا»... «وعلينا أن نحيا كما نحن نشاء».

سميح الذي لم يرض إلا أن يكون أول من يخرج على الظلم، كما دائماً، بالكلمة واللحن والصوت، فكان أول من أغاث درعا «يا حيف.. زخ رصاص على الناس العزل يا حيف».

قليلون هم، مع أن المساحة لا تتسع لذكرهم جميعاً، ولكنهم كثيرون بما أبدعوا وأسمعوا، لم يقفوا عند الصوت الساحر، وغالبيتهم يبدع ألحانه بنفسه بل وينحتون الكلمات لأنفسهم في ظل ندرة من يكتب ليليق بثقافتهم.

كثيرون لأنهم لم يغادروا لون غناء إلا عرفوه وعرّفوا به، ما نسوا وسط ذلك كله المرأة حبيبة وأمّاً، غنّوا للطفولة وللصداقة، وأبدعوا للهمّ اليومي مثل الذي أبدعوه للقضايا الكبرى، فأثّروا في كل شيء فينا وأثْرونا وما زالوا.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات