لقائي مع تلك السيدة الألمانية من مدينة هامبورغ في ذات مساء ألماني عليل النسمات خلال هذا الصيف كان من اللقاءات المميزة في حياتي، وذلك لما بدا عليها من شفافية وصراحة ورغبة في معرفة الحقيقة دون زيف، ولما أظهرته من منطق جميل لا تجده عادة إلا عند المفكرين والجادين في البحث عن الحق، وليس عند عامة الغربيين، انطلقت شافن في الحديث عن أشياء كثيرة في حياتها كامرأة ألمانية بشكل أذهلني، قالت لا أعرف لم هذا الهجوم على المسلمين والعرب، لماذا التركيز على السلبيات وغض الطرف عن الإيجابيات، لماذا إغفال كافة الفروق بين المجتمعات والبشر عند تناول المسلمين؟ إنهم يتحدثون عن لباس المسلمين وأسلوب حياتهم ودينهم وطريقة صلاتهم وكل شيء بطريقة تثير عجبنا نحن الغربيين، لا ندري لماذا يحدث ذلك، نعلم أن هناك ما يخبأ عنا، وأكثر من يعرف ذلك هم الصحفيون الذين يذهبون إلى مواقع الأحداث ويتحدثون عن الحق، ولكنهم يهمشون ولا يطبل لهم ولا يزمر، لتبقى الحقيقة باهتة ويلمع الزيف والكذب والمغالطات.
قلت لها؛ أظن أن مقولة الغرب غرب والشرق شرق ولن يلتقيا أبدا صحيحة، على الرغم من إيماني بأن بإمكانهما الاقتراب كثيرا من بعضهما البعض حد التماس، معتقداتنا عن الأمم والشعوب الأخرى ثابتة ولا تتغير وربما تتوارث جيلا بعد جيل، انظري إلى الفارق بين نظرتكم لليابانيين والعرب، هاهم اليابانيون يملأون المحال الراقية عندكم ويخرجون منها محملين بأضعاف ما يحمل العرب من أكياس، ولا نراهم إلا مدججين بالماركات الثمينة من قمة رؤوسهم حتى أخمص أقدامهم، وربما وصل سعر الحقيبة التي تحملها إحداهن إلى خمسين ألف يورو، ولكن نظرة العالم لهم أنهم الشعب المكافح المثابر الجاد الصبور، لا أحد يتحدث عن حب الظهور والإسراف وجنون الماركات عندهم لأن الفكرة القديمة راسخة في الأذهان عنهم ولن تتغير ببساطة، والفكرة عنا نحن العرب بأننا مسرفون ومجانين تسوق ومدمني ماركات، هذه الفكرة التي استقرت في الأذهان منذ نصف قرن تقريبا، لا يبدو أنها قابلة للتغيير قريبا.
نعم قالت شافن ولكني أتساءل؛ ما هي القوة التي يعتمد عليها الأوروبي والتي تجعله في موقع القاضي دائما، ماذا يظن الأوروبي نفسه ؟، قلت لها، يفترض أن أسألك أنا هذا السؤال، ولكن من يمتلك الثروة يمتلك القوة، لقد كانت أوروبا دائما تملك الثروة والاستقرار ولقد رسخ ذلك في الوجدان البشري، ولكن هذا الوجدان يتغير باقتراب الناس واختلاطهم، قالت، الناس هنا يرون الحق الذي بين أيديكم واضحا جليا، وتذهب عقولهم إلى المقارنة بين ذلك وبين اللبس الذي في دينهم ولكنهم يخافون من الاقتراب منكم ويرفعون ياقات قمصانهم لسد آذانهم خوفا من التأثر، إنهم يخافون أشد الخوف من العولمة، ثبت نظارتي جيدا عند سماع هذه الكلمة ولا أخفي أن شعورا بتوازن القوى قد انتابني عند سماع ذلك، فالقوم يخافون من العولمة كما نخاف منها نحن أيضا، نخاف من التغريب ويخافون من التشريق، ومن الإسلام تحديدا.
أغرب أحاديث شافن وأقواها كان حديثها عن المرأة في ألمانيا، إذ قالت: لا أحد يتحدث عن أمور كثيرة كانت موجودة هنا حتى عهد قريب، إنهم يشعرون بالعار والخجل من ذكرها، لا أحد يذكر أنه حتى العام 1960 لم يكن مسموحا للمرأة الألمانية بالعمل إلا بموافقة زوجها، وأنه حتى نهاية الحرب الثانية كانت الزيجات تتم بشكل تقليدي عائلي وصارم وأنه حتى هذا اليوم فإن راتب المرأة يقل عن الرجل بنسبة تصل إلى الأربعين في المئة، لا أحد يتحدث عن أن الرجل الغربي لا يزال يمارس تمييزا صارما ضد المرأة ولا نستطيع الحديث لأن غالبية الإدارات في الحكومة والعمل الخاص بيد الرجل. ومفاجأة المفاجآت كانت عندما قالت : لا أحب الاختلاط وأتمنى العمل في مجال نسائي صرف، ولكن لا خيار لي، إذا كنتم لا تزالون تملكون هذا الخيار فلا تفرطوا فيه. وتأملوا جيدا الأرض التي تقفون عليها قبل التفكير في مغادرتها.