تواجه الثورة المصرية عقبات ومشاكل كثيرة، وهذا أمر طبيعي وبديهي في كل ثورة، فما بالنا بثورة شعبية بلا أيديولوجيات ولا قيادات ولا خطط معدة مسبقا، ولا أهداف ومطالب محددة بشكل واضح، وحتى مفهوم المشاركة في الثورة نفسه غير محدد، فقد تعددت الميادين والشوارع والمظاهرات، كما تعددت الصفحات على الفيس بوك، وتعدد الأبطال والثوار على شاشات الفضائيات وصفحات الصحف، ومع كل هذا الخضم الكبير الأشبه بالفوضى الثورية، تعددت الآراء بشكل كبير، وتعددت أيضا الاتهامات والانتقادات، بدرجة بات من الصعب معها تمييز أنصار الثورة من أعدائها أو المندسين عليها.

الكثيرون يملؤهم الخوف والقلق على الثورة، فالبعض يرى أن أعداء الثورة من فلول النظام السابق يديرون ثورة مضادة، والبعض يرى أن هناك صراعا مشتعلا بين القوى السياسية على كعكة السلطة الحاكمة القادمة، والبعض يرى أن هناك قوى أجنبية تعمل عن طريق عملاء لها في الداخل، من أجل إفشال الثورة وزرع الفتن واختلاق أحداث الفوضى والشغب، والبعض الآخر يرى أن هناك مؤامرة مدبرة ومعدة من أعضاء المجلس الأعلى العسكري، أو بعضهم بالاتفاق مع جهات أخرى في الدولة لتوجيه الأحداث، وفق سيناريو معد مسبقا، إلى ذروة الفوضى والاضطراب، ثم يفرض الأمر الواقع بسلطة عسكرية قوية.

كما تتسع حالة الفوضى والبلبلة لتطرح آراء كثيرة غير منطقية، وإن كان البعض يصدقها، مثل ما يقال من أن مصر تدار من داخل سجن طرة، وأن رجال الوزير السابق حبيب العادلي ما زالوا يديرون وزارة الداخلية بتوجيهات منه وهو في السجن، وهناك من يرى أن هذه الثورة ملعونة لأنها تظلم الأبرياء ممن خدموا الوطن، وهناك من يذهب به خياله إلى أن الثورة أصابتها لعنة الفراعنة، لأنها ضربت السياحة المصرية وحرمت الفراعنة القدماء من عرض أمجادهم على السائحين الأجانب (علما بأن هذا الرأي كتب في صحيفة روسية).

لكن المؤكد أن هناك شيئا ما يعيق الثورة المصرية، وربما يكون هذا الشيء بالفعل هو "لعنة الفراعنة"، ولا نقصد هنا بالطبع الفراعنة القدماء، بل فراعنة جددا من هذا العصر، من عشاق السلطة والنفوذ الذين سارعوا بركوب موجة الثورة ليوجهوها لخدمة مصالحهم الشخصية.

والحقيقة أن هؤلاء الفراعنة الجدد كثر ولا حصر لهم، ومعظمهم كان موجودا على الساحة السياسية في عهد النظام السابق ويمارس دورا شبيها بما يمارسه الآن، ولكن بطموحات أقل ولا تزيد عن مجرد الاقتراب من نظام الحكم ودخول دائرة الضوء، أما الآن فقد ارتفع سقف الطموحات ليصل إلى أعلى درجة. بعد خلع حسني مبارك من الحكم، لم يكن أمام الثورة المصرية سوى مشكلتين فقط؛ الأمن، والاقتصاد. لكن من الملاحظ بوضوح أن هاتين المشكلتين لم يشغلا حيزا يذكر من اهتمام الإعلام والنخب السياسية المتصارعة على الساحة، رغم أنهما الشغل الشاغل لملايين المصريين.

ولكن إعلامنا الذي اعتاد التغييب والتضليل، أغرق الناس في مشاكل أخرى أقل أهمية بكثير، مثل "الدستور أولا أم الانتخابات"، و"الرئاسة أولا أم البرلمان"، و"دستور جديد أو تعديل" و"تعيين المحافظين أو انتخابهم"، وما شابه ذلك من جدل عقيم أغرقتنا فيه النخبة السياسية المسيطرة على الإعلام وشاشات الفضائيات. ولا اعتراض عندنا على مناقشة هذه القضايا، ولكن ليس بهذا الإغراق على مدى خمسة شهور مضت، مع إهمال قضايا الشعب الأساسية، وهذا ما جعل الناس يقلقون على الثورة، ويستشعرون المؤامرات، ويستعجلون المحاكمات والثأر للشهداء، وينهالون بالاتهامات على الحكومة والمجلس العسكري.

ورغم يقيني بأن الزمن لا يرجع للوراء، وأن الثورة لن تنهزم ولن تتراجع، إلا أنني أحذر من التغييب "شبه المتعمد" في الإعلام المصري للقضايا الحقيقية للشعب والوطن، وإغراق الناس في قضايا الصراع على كعكة السلطة القادمة، وشغلهم بجدل النخبة من فراعنة العصر الحديث.