من خلال تجوالي في أكبر معارض الطيران في العالم، اكتشفتُ أنه ليس هناك أزمة اقتصادية إذا كان المرء على استعداد للنظر بجدية بما يكفي لتجنب تلك الأزمة.
كما ينبغي أن يطلق على معرض باريس للطيران «مهرجان الرأسمالية العالمية»، لأن ما شاهدته هنا كان رأسمالية بلا قيود، ومنافسة للسوق الحرة في أفضل حالاتها. لقد تأثرت للغاية، لدرجة أنني انفجرت في البكاء عند وقوفي أمام صاروخ «أستر 30»، برغم روعته.
كان البند الأكثر جذباً للاهتمام في معرض هذا العام هو الطائرة «نيو إيه 320» من شركة إيرباص، وهي طائرة «خضراء» بلغت حصيلة طلبياتها 730 طلبية بإجمالي 72 مليار دولار. فإذا كانت شركة بوينغ الأميركية تأمل في المنافسة لكي تتجاوز قيمة الطلبيات على طائراتها الـ22 مليار دولار، فإنها سوف تضطر إلى اللحاق بالركب وإنتاج شيء مماثل.
ويتمثل عامل الجذب الكبير في الطائرة «نيو» أنها توفر استخدام الوقود بنسبة 15% مقارنة باستهلاك الوقود في الطائرة من طراز «إيه 320» الكلاسيكية. ومع ارتفاع تكاليف الوقود التي تمثل ثلث نفقات الشركة، فلا يوجد مسؤول من الحكومة يحاول تشريع قانون يساهم في إخراج هذه الطائرة إلى حيز الوجود.
فمن نجاح السوق الحرة يأتي انفجار سوق العمل. ولكن من بين 2100 شركة عارضة، أجمع كل من تحدثت معهم تقريباً على أنهم يوفرون فرص عمل. وعلى وجه التحديد، فهم في حاجة ماسة للعمال ذوي المهارات التقنية، كالمهندسين والبنائين والمنتجين، ولا يجدون العدد الكافي من الناس لشغل هذه الفرص.
إذن فأين كل عمالنا من هذا المجال؟ فهذا المعرض بمثابة قاعدة التصنيع التي ينطلق منها الغرب، والتي تتفوق الديمقراطيات على الأنظمة القمعية مثل الصين وروسيا. وعلى سبيل المثال، فإن شركة طيران آسيا في ماليزيا، قامت بشراء طائرات إيرباص بقيمة 18.2 مليار دولار، وليست طائرات تحمل العلامة التجارية الصينية أو الروسية. وهذا هو المضمار الذي نحقق فيه التفوق على عدونا الأيديولوجي.
وفي الوقت نفسه، فإن الشباب الأميركي لم يتلقى أبداً تعليما متميزاً. وكنت قد أشرت إلى أن هذا يمثل جزءاً كبيراً من المشكلة. فبدلاً من الالتحاق بالجامعة من أجل تعلم الهندسة والرياضيات والمهارات العلمية التطبيقية، يتم تشجيع الطلاب في الغرب من قبل آبائهم للسعي للالتحاق بكلية الحقوق أو كلية إدارة الأعمال أو الحصول على درجة في الفنون الحرة.
والنتيجة هي أنه عندما لا يتم تعليم الأطفال بطريقة تتجاوز ذكاءهم، حينئذ يجري تعليمهم الموضوعات عديمة الجدوى. ففي حين أن المدارس تتنعم بالمال من خلال إقناع الطلاب بالحصول على التعليم عديم الفائدة والدرجة تلو الأخرى، فإن الطلاب يتم الزج بهم في سوق العمل وهم مفلسون وغير حاصلين على المهارة المناسبة.
ربما يوجه المرء اللوم أيضاً إلى هذه الظاهرة المتعلقة بتأنيث المجتمع بشكل عام. فلماذا لا يذهب معظم الرجال لدراسة الهندسة والتصنيع، أو يتم تشجيعهم على القيام بذلك؟ وأنا كامرأة فقد تخرجت من الجامعة بحصولي على شهادة في العلوم.
وقد فكرت لفترة وجيزة في مهنة بالهندسة، حتى أدركت أنني لا يمكنني أن أقضي طوال اليوم في الحسابات والأرقام. وإحصائياً، فلكوني امرأة، يقل لدي حجم الفص الجداري الأيسر السفلي في الدماغ، وهو مركز عمليات الرياضيات في الدماغ، بكثير عن حجمه لدى الرجل. ولا يمكنني أن أنكر هذه الحقيقة البيولوجية.
إذا كان لدى أميركا والغرب أي أمل في إعادة بناء القاعدة الصناعية والتفوق على الصين يوما ما، دون الاستغناء عن قيمنا، فإن هذه هي القضايا التي نحتاج إلى معالجتها.