تحدثنا في مقال الجمعة الماضية عن اهتمام الولايات المتحدة «المبالغ فيه» بمصر، بعد ثورة 25 يناير، وهو الاهتمام المثير للقلق، حيث يعكس بصورة واضحة نيّات واشنطن لممارسة نشاط مكثف في مصر، وتحدثنا عن «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» التي تعرض برنامجاً بقيمة 65 مليون دولار، بهدف «تطوير الديمقراطية» في مصر، شاملة الثقافة الانتخابية والأنشطة المدنية وحقوق الإنسان، دون الرجوع للمسؤولين المصريين، وقد قدمت الحكومة المصرية احتجاجاً لدى السفارة الأميركية، تحذر فيه من انتهاك الوكالة الأميركية للسيادة المصرية.
ونعود لهذه القضية هنا، حيث كشفت السفيرة الأميركية الجديدة في القاهرة آن باترسون، خلال جلسة عقدتها لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي يوم الأحد الماضي، عن أن الولايات المتحدة قدمت منذ ثورة 25 يناير، 40 مليون دولار لكل من المعهد القومي الديمقراطي، والمعهد الجمهوري الدولي، ليعملا في مصر على تشجيع الديمقراطية، وقالت باترسون إن 600 منظمة مصرية تقدمت بطلبات للحصول على منح مالية أميركية لدعم المجتمع المدني، وشددت على أنه لا توجد شروط على المنح، ولكن هناك «جوانب يتم ربط هذه المنح بها»، ولم تحدد باترسون هذه الجوانب.
في نفس الوقت زار مصر الأسبوع الماضي اثنان من قادة الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وهما جون ماكين وجون كيري، ومعهما وفد أميركي يضم مدير قسم «مكافحة الإرهاب الدولي» في وزارة الخارجية، دانيال بنيامين، ونائب وزير العدل لقسم مكافحة الإرهاب ميشيل ديوتي.
من المتوقع أن يزداد اهتمام واشنطن بمصر أكثر في الفترة المقبلة، لكن ما يلفت النظر في ما ذكرناه، أن كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري الأميركيين مهتم في آن واحد بمصر، وأن الاهتمام الأميركي موجه بشكل أكبر نحو أنشطة بعيدة عن العلاقات الرسمية، وبعيدة أيضاً عن القضايا الحيوية التي تواجهها مصر الآن، وملاحظ أن قضية «دعم الديمقراطية» في مصر تحظى بالاهتمام الأكبر، وهي قضية وهمية يصعب تحديد معالمها «حسب وجهة النظر الأميركية»، ولا أحد يدري إلى أين ستذهب ملايين الدولارات المخصصة لدعم الديمقراطية «الأميركية» في مصر، وما مدى رقابة ونفوذ السلطات المصرية عليها، وما هي الستمائة منظمة مصرية التي تقدمت بطلبات لواشنطن للحصول على حصة من هذه الأموال، وكيف ومتى عرفت هذه المنظمات بأمر هذه الأموال؟ وما هو الدور الذي سيلعبه المعهدان الجمهوري والديمقراطي في مصر في الفترة المقبلة؟ والأهم من ذلك كله، ما هو «الإرهاب الدولي» الذي تنوي واشنطن مساعدة مصر على مكافحته؟
لا أدري لماذا كل هذه الألغاز والغموض في سياسة واشنطن! إن قضايا مصر الحالية معروفة وواضحة للجميع، وتنحصر في كلمتين؛ أمن واقتصاد. أما الأمن فهو مسؤولية النظام القائم في مصر الآن، ولا يجب السماح لأية جهة أجنبية بالتدخل فيه، ولا علاقة للخلل الأمني في مصر بقضية «الإرهاب الدولي» التي تريد واشنطن بحثها مع مصر، وحذار، وبشدة، من إقحام قضية الإرهاب الدولي «الأميركية» على قضية الأمن المصري. أما قضية الاقتصاد فمعروفة تفاصيلها، ومصر تحتاج فعلاً لمساعدات وقروض، ولكن ليست بالشروط التي فرضها صندوق النقد الدولي الذي تهيمن واشنطن على قراره.
أما قضية الديمقراطية التي ترصد من أجلها واشنطن ملايين الدولارات لمئات المنظمات المدنية، بعيداً عن رقابة الدولة في مصر، فهي خرق لسيادة الدولة، وتثير شكوكاً وشبهات كثيرة، وقد سبق لدول أخرى عدة أن رفضتها وحذرت هذه المنظمات من المساءلة القانونية وشبهات التجسس لحساب جهات أجنبية، ولا أعتقد أننا في مصر بحاجة لنموذج الديمقراطية الأميركية، الذي ثبت فشله في العراق وأفغانستان وأوكرانيا وجورجيا وغيرها. علينا في مصر أن نتعامل بكل الحذر مع اهتمام واشنطن «المبالغ فيه» بالديمقراطية والإرهاب في مصر، وأيضاً على واشنطن أن تغير من سياساتها السابقة مع مصر، وأن تثبت حسن نيتها قبل فوات الأوان.