يعتقد الرئيس السابق لجهاز الموساد الإسرائيلي شيفتاي شابيط، بأنه ".. عندما تكون البطون مملوءة، فإن الناس تفكر مرتين قبل أن تخرج إلى الشارع للاحتجاج..".

وهو يمثل لهذا الرأي قائلا إن "الهدوء الذي تشتهر به الضفة وعدم انخراط أهلها في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في ذكرى النكبة والنكسة، باستثناءات محدودة جدا، يعود إلى ازدهارها الاقتصادي..".

هذا الرأي يتمثل بنظرية الحرمان الاقتصادي؛ التي تفسر اندلاع الثورات والانتفاضات وحركات الاحتجاج الواسعة، على نظم الحكم الجائرة بانتشار الفقر والعوز بين الجماهير، إلى النقطة الحدية التي لا يستطيع المحكومون تحملها.

والحق أن هذه النظرية تحظى بصدقية عالية في الأدبيات الموصولة بالتجارب الثورية للشعوب، عبر التاريخ. بيد أن بريق هذه النظرية وشهرتها لم يدرآ عنها سابقا، ولا يبرران حاليا، عدم إخضاعها للنقد والجرح.

فثمة في التاريخ الاجتماعي السياسي لبعض الشعوب، ما يؤكد فشل الحرمان الاقتصادي في إشعال غضب المحكومين إلى درجة الغليان والخروج على النظم الطغيانية المحتكرة للسلطة والثروة. من الأمثلة الدالة بالخصوص، اندلاع الثورة البلشفية في روسيا القيصرية، في العقد الثاني من القرن العشرين، وعدم امتداد الظاهرة الثورية إلى بلدان أخرى كانت تعيش أكثرية شعوبها ظروفا اقتصادية مشابهة، إن لم تكن أسوأ. وفي اللحظة العربية الراهنة، لدينا نماذج تخرق العين، على أن منسوب الفاقة والقهر الاقتصادي، ليس هو المسؤول الأول عن اندياح الغضبات الثورية في غير مجتمع وضد أكثر من نظام.

على أن ما يثبت سطحية مقولة شابيط ومن لف لفه، يتجاوز هذه النماذج القديمة نسبيا والمعاصرة؛ المستقاة من تجارب العرب والعجم.. فسؤال هذه المقولة وجدلها موصولان بعلاقة الحكام بالمحكومين داخل الدول القائمة (المستقلة)، وليس بعلاقة الشعوب الخاضعة للاستعمار بمستعمريها.

وحتى في حال تهيأت للشعوب الخاضعة للاستعمار معطيات اقتصادية تشبع حاجاتها الأساسية بشكل مرض نسبيا، فإن هذا الواقع لا يكفي للاعتقاد بزوال هواجس الثورة وأطيافها ضد المستعمرين. فالشعوب لا تحيا على مجرد إشباع البطون، ثمة حاجات ومتطلبات أخرى لها، كالتحرر من نير الاستعباد الوطني أو القومي الجماعي، وتحقيق الاستقلال وتقرير المصير...، لا تقل إن لم تزد أهمية وإلحاحا على مدارات حيواتها ومصائرها.

ولمن أراد الاعتبار بالتجربة الفلسطينية، نذكر بأن التحالف الإسرائيلي الأميركي نادى في منتصف ثمانينات القرن الماضي، بتطبيق ما عرف وقتذاك بمفهوم "تحسين ظروف معيشة الفلسطينيين"؛ الذي أنتجته مراكز البحوث ومعامل التفكير الأميركية، وتبناه وروج له وزير الخارجية الأميركية الأسبق جورج شولتز. وقد تحمست تل أبيب للفكرة معتبرة أن منح الفلسطينيين مزيدا من الفرص الاقتصادية، سوف يشغلهم عن واقع الاحتلال ومقاومته. لقد أرادوا تحويل الإنسان الفلسطيني تحت الاحتلال، إلى مجرد مستهلك اقتصادي يتلهى بمتاع الحياة الدنيا.

لكن ما حدث، أنه لم يمض سوى بضعة أشهر على مساعي تحويل العقل الجمعي الفلسطيني إلى عقل اقتصادي صرف، حتى اندلعت الانتفاضة الأولى في نهاية عام 1987.. لتعلو أهداف التحرر والاستقلال وكنس الاحتلال وتجُبّ ما عداها من خيارات ومسارات. وفي غضون ذلك الحدث النضالي المتفرد، ألقى الفلسطينيون ظهريا ملهاة الإنعاش الاقتصادي الموجه والممول من الخارج، واجتهدوا مليا في اجتراح حالة اقتصادية وطنية تقوم على الاعتماد الذاتي؛ كان شعارها "الاقتصاد المقاوم".

إن هذا التحول السلبي أمسى راهنا، وبعد زهاء العقدين، موضوعا للنقد من ناحية، والأهم أنه لم يستأصل من ناحية أخرى النوازع التحررية الاستقلالية من وجدان الفلسطينيين، ولا تمكن من إقناعهم باستبدال السياسة بالاقتصاد على نحو ما يزعم، أو بالأحرى يأمل، مسؤول الموساد السابق ورهطه.