في كل عام ومع دخول شهر شعبان، كان يدور حديث كثير حول جواز أو عدم جواز الاحتفال بليلة النصف منه، وذلك على الرغم من عدم وجود أي نسك تعبدي في هذا الاحتفال، وعلى الرغم من نثره لبهجة جميلة خالية من الرقص والموسيقى ناهيك عن الابتذال، بين الناس والأطفال تحديدا. هذا العام والصيف يلسع أيام شعبان ورمضان بأشد أيامه الموافقة لشهري يوليو وأغسطس، لا أظن أن الاحتفال بهذه المناسبة سيكون كالسنوات الماضية، خاصة وأن الكثيرين سيكونون في السفر، وبين حرارة الصيف وضراوة النقاش، وعاماً إثر عام، سيمضي هذا الطقس الاجتماعي البهيج منزويا إلى التاريخ كأشياء كثيرة مضت أو في سبيلها للمضي إلى ذات المصير .

العيد وطقوس العيد سائرة إلى مصير مشابه، بعد أن بدأ الناس في الأعوام القليلة الماضية بالسفر بدءا من أواخر رمضان، هرباً من الحر ولسعة الشمس في المصلى إضافة إلى مصاريف العيد الخيالية، والبذخ المبالغ فيه بلا معنى، في العيدية والملابس وصواني الحلويات التي تذهب بعد أسبوع إلى القمامة.

الفنون والآداب طالها ما طال الأيام من إهمال أو حذف وإلغاء، (كالمالد) مثلاً، ذلك الفن الجميل النظيف الذي كاد أن ينقرض، أو لم يعد موجودا بأصالته السابقة، فعلى الرغم من كونه نوعا من النشيد الإسلامي المؤدى على ضرب الدفوف، ويقوم عليه رجال ثقات ومتدينون غالباً، إلا أنه تم النظر إليه من زاوية حادة ضيقة وصنف كبدعة أو مخالفة دينية، وليس كفن إماراتي ينبغي الحفاظ عليه والتأصيل له وتنقيته من الشوائب، فهجره المتدينون وانقطعوا عن أدائه، وقاطعوا مشاهدته ومتابعته، وترك المجال مفتوحاً للمسيئين له ممن أضاف له من الخزعبلات والمخالفات الدينية، وكانت النتيجة ضياع أحد أجمل وأرقى أنواع الفنون القائمة على الشعر والأدب والأداء الصوتي.

ما لا يدركه الكثيرون أن التعود على الحذف والإلغاء فيما يتعلق بما نملك، أيا كان هذا الذي نملكه، فن، أدب، عادات، يسهل مسألة ترك كل شيء آخر، كان المالد موجودا بجماله، يحضر في أعراس الناس ومناسباتهم كقيمة مقدرة، فاندثر أو شوه، مما أثر على منظومة الفنون برمتها كالعيالة والحربية، وغيرها، وإن كانت عادت للتعافي بعد ذلك، كما أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان حافظ على الزي التقليدي الإمارات، إذ أنه المناسبة الوحيدة التي تكاد لا تكتمل إلا بارتداء الأطفال من الجنسين لهذا الزي ، واندثار هذا الاحتفال سيطال ولا شك هذا الجانب، الذي فتح نافذة مشرقة للناس للاطلاع على تراثهم الخاص بالأزياء، وإعادة إحيائه والتمسك به.

الكثير من تصرفات البشر يأتي نتيجة تلقائيةً لتغيرات الزمن أو الطقس أو المتغيرات الأخرى، ولكن كثيراً منها يحدث أيضاً عندما تُترك الأمور تجري في أعنتها وكأنها قدر لا دخل ولا قدرة لنا فيه، يحتاج الناس إلى تأصيل الفنون، وأيام البهجة وأساليب الاحتفال، نحتاج إلى الانتباه إلى أن ذلك يعني أننا موجودون على هذه الحياة أو هاربون منها أو ذائبون في أتون متغيراتها.

الخوف من اليوم الذي يتعدى فيه إهمالنا للفنون والمناسبات التقليدية، إلى إهمال التراث برمته، سيراً نحو اليوم الذي يأخذنا فيه بريق العولمة، وبهرجة الآخر أخذاً، فلا نعود نلتفت لعرف أو عادة أو تقليد، فهل سنجد من علمائنا ورجال الفكر لدينا من ينتبه إلى ذلك، ويعيد الأمور إلى نصابها، فيناقش تراثنا واحتفالاتنا وموروثنا الفني بوعيٍ وإنصاف، من دون أحكام مسبقة؟