قيل إن في السفر سبع فوائد، ولكننا حصرنا فوائده في كلمة واحدة هي (التغيير)، والتغيير لا شك فائدة يحتاجها كل فرد في ظل الضغوط اليومية في حياتنا اليوم، ولكن هناك مبالغة في الإصرار على عدم تحصيل أي فائدة أخرى مهما كانت متاحة.

هناك من يسافر كل عام إلى نفس البلد ولا يعرف من لغة أهلها إلا مرحبا، بينما يفترض أن يكون قادراً على التخاطب بطلاقة بلغة يعايشها لسنوات، ويسمعها من سائق التاكسي والنادل في المطعم والباعة وبرامج التلفزيون، كما أنه يجهل معلومات بسيطة عن البلد كاسم عاصمتها فضلاً عن عاصمتها الاقتصادية أو الملامح الرئيسية لتاريخها أو جغرافيتها.

في الأسفار العائلية، ننسى المتاحف والعلوم والفنون والآثار، فلا طاقة للصغار بالوقوف في الطوابير، ولكن الملاحظ أنه حتى في الأسفار الشللية، أو العائلية التي لا أطفال فيها، لم يعد لنا أحد بصور وذكريات عن هذه الأماكن، إذن كم هو الهدر والتضييع الذي يحدث بقصد وبغير قصد، يرد عليك البعض ملل وما الفائدة من كل ذلك العناء؟

فما الفائدة من عناء التسوق المبالغ فيه إذن؟ ثم إن اللغات والتاريخ والفنون، كل ذلك لو تم بوعي فإنه مساهمة في صياغة الشخصية التي لا يجب أن تصوغها الأفلام والمسلسلات ونشرات الأخبار فقط، إنه انفتاح أوسع على الإنسانية مذ وجدت، واطلاع على العمل والكفاح البشري على هذا الكوكب منذ أنزله الله عليه سيرا نحو اليوم الذي سيحكم الله فيه على كل هذا الجهد والعمل. القضية هي في أن تربي نفسك منتميا للإنسانية جمعاء أو تغلقها على نفسك في أصل أو فرع أو لون.

أعجب من الذين يمرون بنفس النهر كل يوم ولا يسألون عن اسمه، أو الذين يأخذون صغارهم بالتلفريك إلى قمة من قمم الجبال دون أن يهتموا بمعرفة أي معلومات عن المكان، ناهيك عن الذين يقطعون الدروب الطويلة التي تستغرق العديد من الساعات، دون سعي لمعرفة أي شيء عما يمرون به، وتجد الأب لا يزيد على جملة أو جملتين يكررهما على صغاره، من مثل تأملوا هذه المناظر الجميلة، وانظروا إلى تلك الأبقار في الحقول.

نبالغ كثيراً في غلق أبوابنا أمام فوائد السفر الرائعة المنثورة أمامنا في كل طريق ودرب هناك، حتى أصبح ذلك متأصلاً فينا، كنت ذات صيف في برلين ضيفة عند عائلة قريبة تسكن هناك بداعي العمل، كان قد مر على وجودهم هناك عام كامل تقريباً، وكان منزلهم مطلا على بحيرة رائعة، سألت سيدة البيت عن اسمها فقالت: إنها بحيرة بوتسدام، على اسم الحي الذي نحن فيه، بعد ذلك بأيام وفي حديث عن هتلر، أشار رب البيت إلى الجسر القريب قائلاً : هنا، على هذا الجسر الممتد على بحيرة فالكن سي، وقفت دبابات هتلر ذات يوم، قلت له : أليس اسمها بحيرة بوتسدام؟ قال : بل فالكن سي.

قالت ربة البيت : اعتدت على تسميتها ببحيرة بوتسدام على اسم المنطقة ربما من دون أن أسأل، بينما كان عليها أن تسأل وتبسط خارطة المكان أمام أطفالها وتريهم المكان الذي يرونه حيا أمامهم، في خطوط التاريخ والجغرافيا المكتوبة والمصورة.

ولكن هكذا صرنا، زاهدين في فوائد السفر العظيمة، فجعلنا كأنصاف المتعلمين، تأتي المعلومة إن أتت على ألسنتنا ناقصة أو مبتورة أو مغايرة تماماً للحقيقة، ولا أستبعد إن عدت يوماً إلى هناك، أن أجد أحداً ممن شهد تلك الأمسية معي يشير إلى البحيرة قائلاً : انظروا، هذه هي بحيرة هتلر.