في حالة تاريخية نادرة نجحت الثورة في مصر في إطاحة النظام وأخفق الثوار في الاستيلاء على السلطة. هذه حالة جعلت العملية الثورية بأكملها عالقة في نصف المشوار. هذا الإخفاق يجعل مصير الإنجاز التاريخي في مهب المجهول. الجدل المثار في مصر على نطاق واسع أفقياً ورأسياً لا يبشر بإمكانية تحقيق أحلام الثورة الوطنية.

هناك إطراء مكثف لانحياز الجيش إلى قوى الثورة. معظم المصريين إن لم يكن جميعهم رأى في خطوة القيادات العسكرية تلك عملية تستوجب التقدير. العملية العسكرية كللت الاعتصامات والاحتجاجات الشعبية بالنجاح. قادة الجيش جنبوا مصر شلالاً من الدم وخففوا كلفة هدم النظام. تلك هي الرؤى الغالبة وسط الجدل المصري المثار حالياً. العلاقة بين المؤسسة العسكرية وثوار الميادين العامة شابها قدر غير قليل من التوتر ولايزال. شباب الثورة استخدم آليات الاعتصام في الضغط على قادة الجيش في منعطفات عدة من الأحداث. ربما من الغريب عدم اتهام الجنرالات بقطع الطريق أمام الثورة. حتى الآن لم يجرؤ مصري على توجيه اتهام لقادة الأركان بتنفيذ انقلاب مزدوج على النظام والثورة. في مصر لاتزال هناك حالة ثورية غير أنها حالة بلا دولة. الدولة الحالية في مصر ليست سلطة الثورة. بما أن مصر شقيقتنا الكبرى فإن مآلات ثورتها تنداح حتماً على رقعة الوطن العربي بأسره. هذه حقيقة لا تنتقص من مبادرة الشعب التونسي في إشعال قبس الربيع العربي.

من هذا المنظور نقارب الجدل المصري المثار في شأن عبور المرحلة الانتقالية الحالية إلى بلوغ غايات الثورة. مثل هذا الإنجاز لا ينبغي ربط تحقيقه بالمؤسسة العسكرية. الرهان على قادة الأركان يشكل هروباً من النخب المصرية خاصة الطبقة السياسية من إخفاقها الفاضح إزاء الاضطلاع بمهامها الآنية. جنرالات الجيش ليسوا سياسيين متمرسين. مجلس الوزراء الحالي لا يضم أكثر من سياسيين اثنين أو ثلاثة محترفين. هذه معادلة لن تنتج مرحلة انتقالية ناجحة. من غير الممكن تأمين عبور آمن للمرحلة الانتقالية في غياب مشروع سياسي وطني وأجندة ديمقراطية مجمع عليها.

نعم، ثمة جدل يحتدم حول محاور عدة غير أنه جدل يتوغل في رمال متحركة. مثل هذا الجدل يورط القوى السياسية في خلافات تعرقل حركة الثورة. من ذلك الجدل المحموم حول الدستور والانتخابات البرلمانية أو محاكمة الفساد ودفع الإصلاح. مع الإقرار بأهمية مثل تلك المحاور فإن عبور المرحلة الانتقالية يتطلب جدولة القضايا وليس الاستغراق في تفاصيلها. من شأن الانهماك في التفاصيل إنهاك القوى السياسية أو قوى الثورة على وجه التحديد خاصة في مصر، إذ أنها قوى لا تملك رصيداً سياسياً، وربما ليس لها كذلك من الخيال ما يعينها على تجاوز المأزق. هي حتماً لا تملك الصبر مقارنة مع الفصائل التقليدية.

طغيان الجدل بين القوى الإسلاموية والفصائل السياسية الأخرى يأذن بفتح منزلق خطير بعيداً عن المسار الثوري. أسوأ ما يفصح عنه هذا الجدل هو نسج الشكوك على نحو يعزز فرض وصاية مسبقة على ثمرة العملية الثورية.

الجدل يأخذ طابعاً يتجه من تبادل الحوار إلى تبادل الاتهامات بالتربص بالثورة واختطافها. مثل هذا الجدل يمكن بسهولة ينقل القضية من الحوار السلمي إلى التحاور بأدوات العنف المتباينة. ما يهدد بالقفز إلى هذه الهاوية، صدور الفصائل السياسية عن شعور عارم بالدونية ومن ثم الخوف من الإسلامويين. الصدع بين هذه القوى السياسية برز في أكثر من يوم جمعة وتجاه غير موقف واحد.

من الطبيعي أن تفرز التصدعات والتباينات اصطفافات وتحالفات جديدة. الحديث أخذ يتصاعد عن تحالف بين «الإخوان» والجنرالات. بغض النظر عن صدقية ذلك الحديث أو مدى تلك التشققات، فالثابت أن الجنرالات هم أكثر المستفيدين منها. استناداً إلى الثقة الممنوحة لهم في بداية العملية الثورية، باعتبارهم الأكثر حرصاً على الثورة يجد الجنرالات أنفسهم في موقع الأقدر على حسم الخلافات كما يحلو لهم. عندما تخرج العملية الثورية من مسارها أو يصيبها الجمود سترتفع أصوات الإدانة الصريحة باختطاف الثورة أو الانقلاب عليها!