شهدت مصر بعد ثورة 25 يناير، العديد من الإضرابات والاعتصامات والتجمعات الفئوية، لعمال وموظفين وفلاحين وغيرهم من فئات المجتمع أصحاب القضايا والمشاكل والحقوق الضائعة، الذين عانوا سنوات طويلة وولدت الثورة لديهم الأمل في حياة جديدة. ومع تسليمنا بأن هذه الإضرابات والاعتصامات لها سلبياتها الكثيرة والمباشرة أمنيا واقتصاديا واجتماعيا، إلا أننا نرى أن لها أيضا ما يبررها، ناهيك عن أنها حق مكفول بالقانون لفئات الشعب المصري المطحونة والضائعة حقوقها، أن تهب وتُضرب وتعتصم ولا تصمت أبدا ولا تهدأ. إن أهم شيء وأكبر إنجاز حققته ثورة 25 يناير في مصر حتى الآن، هو إيقاظ الشعب المصري "كافة" من نوم وسبات عميق دام عقودا طويلة، وأقول "كافة" لأنه بالفعل لم يحدث أن شهدت مصر في تاريخها الطويل عبر آلاف السنين، انتفاضة شعبية بهذا الكم والحجم والزخم الكبير، هذه الانتفاضة في حد ذاتها إنجاز تاريخي عظيم، لأنها تعني أن هذا الشعب يملك من القوة والإرادة ما يمكنه من تحقيق ما يتصوره الآخرون مستحيلا، وتعني أن هذا الشعب سيحقق ما يريد مهما كانت الصعوبات.

في المشهد الحالي في مصر بعد الثورة، هناك في رأينا ما يبرر وبشدة هذه الإضرابات والاعتصامات الفئوية، وهو أن الثورة بعد نجاحها الكبير في إزاحة النظام السابق، اصطبغت بصبغة سياسية واضحة و"فاقعة"، خاصة في وسائل الإعلام التي لها التأثير الأكبر والمباشر في تشكيل الرأي العام، حيث لاحظنا سيطرة شبه كاملة لأصحاب الأجندات السياسية والحزبية والأيديلوجية والعقائدية والطائفية، وغيرها من أصحاب الطموحات الخاصة من هواة ومحترفي العمل السياسي، البعيدين عن مشاكل وقضايا فئات الشعب وقطاعاته الواسعة الممتدة من شواطئ المتوسط شمالا وصحراء سيناء شرقا إلى بلاد النوبة في أقصى الجنوب، ولاحظنا أن هؤلاء المحترفين قد تصدروا شاشات الإعلام وصفحات الصحف، بقضاياهم القديمة التي كانوا يتبنونها طيلة ثلاثة عقود من حكم النظام السابق، مثل قضايا الديمقراطية وحرية الرأي وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والترشيح والانتخاب والممارسات السياسية، وقضايا الإسلام والمسيحية والطائفية، والدستور وتعديلاته أو إلغائه، وغيرها من القضايا التي لا تمس بشكل مباشر الحياة اليومية للقطاع الأكبر من الشعب، وحظي الإخوان المسلمون بنصيب الأسد إعلاميا، وجاء السلفيون لينافسونهم، وانتفض المسيحيون يقولون نحن هنا، وخرج عليهم أصحاب الدولة المدنية والمواطنة، وفوجئنا في أقل من شهرين بعشرات الأحزاب الجديدة على الساحة، وانطلقت حملات الدعاية للمرشحين للرئاسة، حتى قبل أن يحدد موعد الانتخابات، وتصدر المرشحون الفضائيات والصحف بشعارات واحدة، وكأنهم يقرؤونها من ورقة واحدة.

وسيطرت على الإعلام المصري المرئي والمقروء "ديكتاتورية رأي" مستبدة، يمارسها أصحاب الأجندات السياسية الخاصة وحواريوهم من الإعلاميين، بحيث لم نعد نسمع من يقول "إنني أرى أو أعتقد"، بل نسمعهم يقولون "يجب، وحتما، ولا بد، ولا يمكن، ولن نسمح".. وغيرها من أفعال التقرير والفرض. والغريب أنهم جميعا مصالحهم الخاصة مختلفة ومتضاربة، وكل منهم يغني على ليلاه، ويدعو لجماعته ولمرشحه، لدرجة أننا سمعنا أحد الإعلاميين البارزين من مقدمي البرامج التليفزيونية الشهيرة، يطالب في برنامجه بتعديل مادة جنسية الرئيس في الدستور حتى يُسمح للعالم المصري أحمد زويل بالترشح للرئاسة. في ظل هذه الفوضى الإعلامية والسياسية، كان لا بد لفئات الشعب المطحون والضائعة حقوقه، أن يهب وينتفض من خلال الإضرابات والاعتصامات الفئوية، حتى يحمي ثورته ويطالب بحقوقه، وليقول لأصحاب الأجندات الخاصة من الديمقراطيين والليبراليين والعلمانيين والطائفيين، من المسلمين والمسيحيين والسلفيين والمدنيين وغيرهم؛ اذهبوا عنا بطموحاتكم السلطوية وقضاياكم التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فنحن فئات الشعب وقطاعاته أصحاب الثورة، جوعى نريد الطعام، مرضى نريد الدواء، عاطلون نريد فرص العمل، مشردون نسكن العشوائيات والمقابر، مروعون نريد الأمن والأمان.