لنتذكرْ أَنَّ محمد دحلان نجحَ نائباً في انتخاباتِ المجلس التشريعي الفلسطيني، الحالي والمنتهيةُ ولايتُه والمستمر إِلى حين (!)، ونال فيها أَعلى الأَصوات من بين مرشحي حركة فتح في محافظة خانيونس في قطاع غزة، فيما أَخفقت قياداتٌ تاريخيةٌ فتحاوية في تلك الانتخابات، التي مثَّل فوزُ حركة حماس فيها انعطافةً كبرى في المشهد الفلسطيني. ولنتذكرْ أَنَّ دحلان، في مؤتمر "فتح" العام السادس في بيت لحم في أُغسطس 2009، نجحَ نجاحاً مؤزَّراً في انتخاباتِ عضويةِ اللجنةِ المركزيةِ للحركة، ولم تفلحْ في ذلك شخصياتٌ فتحاويةٌ مُقدَّرةٌ وعتيقة.
ومن المفارقات أَنَّ دحلان أَوصلَ إِلى اللجنة القيادية بعضَ من صوَّتوا، الأَحد الماضي، بفصلِه منها، وأَوصوا بطردِه من الحركة، وبإِحالتِه إِلى النائب العام بتهمتي الفساد والقتل. وثمَّة عناصرُ غيرُ قليلة في القاعدة الفتحاوية، وخصوصاً في قطاع غزة، غاضبةٌ من القرار، وتتوعَّدُ بالتصدّي له. والمهمُّ، في هذه التفاصيل، أَننا أَمام مشهدٍ شديدِ الرداءَة، إِذ لم يصلْ محمد دحلان إِلى عقوبتِه هذه أَثناء ممارستِه الفسادَ والقتلَ المتهم بهما، بل بعدَ رسالتِه إِلى أَمين سر اللجنة المركزية محمد غنيم، التي يحملُ فيها على الرئيس محمود عباس، ويسأَله عن مصير أَموالٍ لحركةِ فتح ولصندوق الاستثمار الفلسطيني، ويُحمِّلُه، شخصياً، المسؤوليةَ عن "هزائم" الحركةِ في غزة، وفي الانتخاباتِ التشريعيةِ والبلديةِ وغيرِها.
لا يزيدُ في الطنبورِ وتراً كاتب هذه السطور، إِذا ما أَحال إِلى السمعةِ البالغة السوءِ التي "يحظى" بها دحلان، منذ ما قبل تأسيسه جهاز الأَمن الوقائي الفلسطيني في 1994، والذي اشتهر بتعذيبه معارضي اتفاق أُوسلو في أَقبيته، وصولاً إِلى هذه الآونة التي يشيعُ فيها كلام كثير، ليس بالضرورةِ صحيحاً، عن تضخم ثروة الرجل، وعمله في الاستثمار في غير مكان. وفي الأَثناء، التصقت بمحمد دحلان اتهاماتٌ كثيرة، ليس الصحيحُ منها محسوماً، ولا الغلط أَيضاً. والمدهش أَن هذا الشاب (مواليد 1961) استطاع، في سنواتٍ قليلةٍ، أَنْ ينسجَ لنفسِه شبكةَ علاقاتٍ (وارتباطات) إِقليميةٍ ودوليةٍ متنوعة، وتجرأَ، في مرحلةٍ معينةٍ، على مخاصمة ياسر عرفات الذي رفض توليه وزارة الأمن الداخلي في حكومة محمود عباس، غير أَن إِلحاح الأخير وضغوطاً خارجيةً جعلت الزعيم الراحل يُوافق. وليس منسياً أَن جورج بوش أَطرى دحلان وعدَّهُ قائداً جيداً وصلباً، وذلك إِبان حصار عرفات القاسي في المقاطعة، وإِبان الهمة العالية في "التنسيق الأمني" بين الأَجهزة الفلسطينية إِياها وإِسرائيل. وكم من واقعةٍ وجائحةٍ فلسطينية، قيل إنَّ لدحلان علاقةً بها، ومن الطريف أَنَّ حركة فتح في دمشق بعثت رسالةً إِلى القيادةِ السوريةِ تتهم فيها دحلان بالوقوفِ وراءَ أَحداث مخيم اليرموك مطلع الشهر الحالي، ما قد يعني أَنَّه على حالِه توصيفُ هذا الرجل قادراً على التواجد في أَيِّ مكان، وعلى أَنْ يقترفَ التخريبَ الذي يُريد.
تستثيرُ سيرةُ الأَسير السابق في سجون إسرائيل خمسَ سنوات، والمؤسس في حركة شبيبة فتح، وطالب التربية الرياضية في القاهرة، شهيةَ التملي فيها، بالنظر إِلى أَنَّ صعودَه الصاروخي الذي يبعثُ، ربما، على الإِعجاب والتساؤل معاً، ينمُّ عن مقدراتٍ شخصيةٍ لديه، وعلى "شطارتِه؟" في مزاولةِ الأََلعابِ الخطرةِ في الساحة الفلسطينية. وإِذا صحَّ أَنَّ لدى محمد دحلان وثائق غير هيِّنةِ الأَهميةِ تدينُ قياداتٍ فتحاوية، سيُشْهرها دفاعاً عن نفسِه في المعركةِ التي يراها "شخصيةً" ضده في هذه الأَيام، فقد نشهدُ فصولاً مثيرةً في هذه الحدوتة التي تدلُّ على خرابٍ عميق في حركة فتح والمشهد الفلسطيني عموماً. تُرى، هل ينعطفُ محمد دحلان، الآن، إِلى نهاية صعودِه ونفوذِه إِياهما؟ هل يفلحُ في إِثارة الزوابع التي يريد ضد خصومِه الراهنين، حلفائِه السابقين، أَم أَننا ننتظرُ سقطتَه الأَخيرة المدوية، وعلى الأَرجح، لن تستثير تعاطفاً؟