على الرغم من أن الثورات العربية التي حدثت مؤخراً لم تخرج من عباءة الدين، إلا أن الدين كان هو الحاضر الأقوى فيها، صلاة الفجر كل يوم في ميدان التحرير كانت كافية للدلالة على ذلك ، فإذا أضفنا إليها الجمع المباركة وخطبها، فإن ذلك أكثر من كاف، وجاء الخلق الرفيع الذي اتسم به الشباب، والحجاب الذي التزمت به غالبية الشابات، ليجعل المشهد كله كان ناطقاً بالتدين.

جهود الدعاة والعلماء والمصلحين على مدى عقود من الزمن لم تذهب هباء إذن، بل أثمرت التزاماً بالعقيدة الصحيحة النقية، وتمسكاً بأهم مبادئها، ها هو نتاج تلك الجهود والمحاضرات والخطب ينطق بالإسلام كما رأيناه هناك، بكل ذلك الوضوح والعمق والاعتدال.

هذا وإذا كان الشباب المصري والليبي والتونسي قدموا النموذج على الشباب العربي المسلم اليوم ، فهذا لا يمنع وجود شباب مسلم متدين مثلهم في كل الدول العربية والإٍسلامية، معتزين بدينهم، متحررين من أي سطوة فكرية تؤثر على استقلاليتهم الفكرية والشخصية في هذه الحياة.

الإسلام حاضر اليوم وبقوة، وهذا الحضور يلقي بمسؤوليات جديدة على رجال الفكر والدين، والساسة وولاة الأمور، فشباب اليوم، يرفض تحييد دينه عن الحياة، كما يرفض عزل الحياة في قمقم صغير باسم الدين، إنه يريد أن يحيا حياته كاملة دون نقصان، وأن يتمسك بدينه عن وعي ويقين، لا يريد من يلّبس عليه هذا أو ذاك، وعليه فإن مناهج المدارس يجب أن تراعي ذلك، خطباء المساجد يجب أن يراعوا ذلك، ولاة الأمور والعلماء يجب أن يراعوا ذلك.

الحكومات العربية والإسلامية وهي تستخلص العبر مما حدث، عليها أن تضع الإسلام كما رأته هناك في حسابها، وتدرك بأن هناك نقلة أو نهضة في الفكر الإسلامي قد تمت، وما حدث كان الإثبات على ذلك، وجميل أنه إسلام منطلق من المجتمع وإليه، سهل بسيط ومنفتح على الآخر، ليس على الحكومات الكثير لتبذله، يكفي أن تحترم هذا الشباب وخياراته الواضحة و المعتدلة جداً اليوم.

العلماء والمفكرون عليهم الكثير اليوم أيضاً، شباب اليوم ملّ من أطروحات كثيرة استنزفت الكثير من الطاقات من دون جدوى واضحة، كما أنه يطالب العلماء بمزيد من الشجاعة فيما يتعلق بقضايا ظلت غير واضحة أو مبينة تماما، إنه يريد نعم أو لا في قضايا الموسيقى ومشاهدة الأفلام وارتياد السينما وغيرها.. وغيرها، لا شك أن المسؤولية على المتصدي لمثل هذه القضايا من العلماء كبيرة، ولكن ضغط الحاضر على الشباب كبير أيضاً، وهو يريد أن يستمتع بحياته تحت مظلة الدين والحياة العصرية في آن واحد ما أمكن ذلك، متحرراً من الشعور بالذنب أو الخطيئة.

لا تزال ذكريات الفجر الأخير والجمعة الأخيرة في ميدان التحرير تروح وتغدو على الذاكرة، داعية الجميع إلى الفرح والفخر بشباب الأمة، ولا عذر لأحد في أن يتخلى عن مسؤولياته تجاههم ويتركهم من جديد نهباً للضياع أو الانجراف الفكري.