لا شك أن ما يحدث من حراك وثورات شعبية في أية دولة أو مجتمع، سيكون له تأثير مباشر أو غير مباشر في الدول المجاورة، وقد ثبت على مر التاريخ أن الشعوب والمجتمعات تتأثر ببعضها بشكل كبير، وأن فترات التحول التاريخي كانت تشمل عدة دول ومجتمعات في العالم في آن واحد، وكذلك فترات المد الثوري والتحرر والاستقلال الوطني، كانت تشمل العديد من المجتمعات والدول في أنحاء مختلفة من العالم، في آن واحد أو في أوقات متقاربة ضمن فترة زمنية واحدة. لكن، رغم هذا، ليس بالضرورة أن تأتي النتائج واحدة أو متشابهة في جميع أو معظم الدول، فلكل دولة ولكل مجتمع خصائص خاصة ودوافع وقدرات وثقافات ثورية خاصة به، كما أن التواصل والعلاقات بين الأنظمة والشعوب داخل الدول تختلف من دولة لأخرى، وكذلك مدى تواصل وتأثر المجتمع أو الدولة بالمحيط الإقليمي والدولي، يختلف من حالة لأخرى.
عندما اندلعت ثورة الياسمين في تونس في منتصف ديسمبر الماضي، لم تكن هناك أية علامات أو مؤشرات لاحتمال اندلاع ثورات أخرى في مصر أو غيرها، بل كان الآخرون يراقبون ما يحدث في تونس وكأنهم متفرجون يشاهدون عرضاً لا علاقة لهم به من بعيد أو قريب، خاصة وأن معلومات المواطن العربي عن المشهد الداخلي في تونس كانت محدودة بشكل كبير، ولم يجذب الآخرين في الثورة التونسية إلا لحظة هروب الرئيس وعائلته يوم 14 يناير. وانتهى المشهد التونسي دون أية تداعيات خارجية ولا حتى حملات إعلامية مثيرة للجماهير، في أي مكان في الوطن العربي. وبعد عشرة أيام، تجمع عدد كبير من الشباب المصري في ميدان التحرير في القاهرة، بناء على اتفاقات مسبقة على «فيس بوك» كانت دائرة بينهم من قبل الثورة في تونس، واختاروا موعد 25 يناير الذي يوافق عيد الشرطة، ولم تكن النية مبيتة لدى هؤلاء الشباب للاستمرار في الميدان أكثر من يوم واحد، يعبرون فيه عن امتعاضهم ورفضهم للأحوال السيئة في المجتمع، ثم ينصرفون. ولكن شاء القدر أن تتواصل التجمعات وتزداد وتنتشر في مدن أخرى، نتيجة القمع الأمني الشديد وسقوط القتلى والجرحى.
وجاءت جمعة الغضب يوم 28 يناير لتجذب أنظار العالم كله لما يحدث في ميدان التحرير في القاهرة، ورغم أن مصر ليست دولة نفطية وليس فيها من الثروات ما يجذب الآخرين، إلا أنه، وبشهادة المراقبين والمحللين العالميين، احتلت أحداث الثورة في مصر قمة اهتمامات كافة الدوائر السياسية والإعلامية في العالم كله، وخاصة الدول الكبرى، وأعلنت حالة الطوارئ القصوى في إسرائيل، وهذا أمر طبيعي، فمصر المتواضعة في إمكانياتها الاقتصادية، تتمتع بمكانة وأهمية عالمية واستراتيجية لا تدانيها فيها دولة أخرى في المنطقة، ولهذا فإن رحيل نظام مبارك بعد ثلاثة عقود، يعد حدثاً عالمياً تاريخياً ستكون له تداعياته الواسعة النطاق إقليمياً ودولياً. تنحية الرئيس مبارك بالسرعة التي تمت بها ومن قبله بأيام قليلة ابن علي في تونس، شجعت شعوب المنطقة على الثورات ضد أنظمتها، ولكن يبدو أن تطورات الأحداث لا تنبئ بنتائج مشابهة، ومن الواضح أن الفارق كبير بين مصر وغيرها من بلدان المنطقة، خاصة التي اشتعلت فيها الثورات الشعبية بعد مصر. ومن أهم الفوارق «مؤسسة الجيش» التي حسمت الثورة في مصر لمصلحة الشعب وأجبرت نظام مبارك على الرحيل، فالجيش في مصر مؤسسة تاريخية مستقلة لها بنيتها الخاصة التي لم تتغير منذ قرون مضت، وللجيش المصري عقيدة عسكرية ثابتة تحدد من هم الأعداء، ولم يشهد تاريخ مصر الحديث جيشاً يحمي النظام ضد الشعب. وهذا هو الفارق الجوهري بين ثورة مصر وغيرها في الدول المجاورة، التي لا تخفى أحوال جيوشها العائلية والقبلية والطائفية على أحد.