أَولُ القولِ وآخرُه، وجديدُه وقديمُه، إِنَّ الشأْنَ الداخليَّ في مصر يخصُّ كلَّ فردٍ عربيٍّ. وليسَ في هذه القناعة تزيُّدٌ أو شططٌ، ببساطةٍ، لأن العربَ ما هانَ حالُهم إلا بعدَ أَنْ مشت مصرُ القهقرى، وخارَت زعامتُها وقيادتُها، واستضعفت رئاستُها السابقةُ مكانتَها وقيمتَها. وإِذْ تعبرُ مصرُ في اللحظةِ الراهنةِ إلى انعطافتها المؤَكدة نحو حالٍ أَحسَن، ونحو دولةٍ تتحقُّقِ فيها معايير الديمقراطية الفُضلى، فذلك يعني أَنَّ تأْثيرَ هذا العبور في العالم العربيِّ سيكون جوهرياً وكبيراً. ولم يشحط الذئبَ من ذيلِه توماس فريدمان، لمّا أَشار إلى هذا الأَمر، قبل أَيام، فتأْثيرُ مصرَ في جوارِها العربيِّ مؤَكَّد، دلَّ عليه، مثلاً، أَنَّها كانت إِبّان الاحتلال البريطاني مصدرَ ما شاعت تسميتُه عصرَ النهضة في المشرق، ومنها انتقل الإسلام السياسي، ممثلاً بجماعةِ الإخوان المسلمين، إلى البلاد العربية، ولا يحتاجُ دويُّ ما أَحدثته الناصريةُ عربياً إلى إيضاحٍ كثير. ويمكنُ، من دون أَيِّ تجاوزٍ، القولُ إِنَّ سلامَ كامب ديفيد مع إسرائيل، وإِنْ قوبلَ بالصدود المشهور، هو الذي استولدَ، لاحقاً، سلام وادي عربة الأُردني واتفاق أُوسلو الفلسطيني. قياساً على هذه التفاصيل الموجزة، يمكن الاتفاق مع أُطروحة المعلق الرائق حازم صاغية، أَنَّ المصريين إذا ما تمكنّوا من بناءِ ديمقراطيةٍ محترمةٍ وواثقة، أَمكنَ الرهانُ على أُفقٍ واعدٍ يتجاوزُ بلدَهم، وجازَ التعويلُ على مساهمةٍ مصريةٍ كُبرى في عقلنةِ المجتمعاتِ التي تتحكَّمُ فيها الطوائِفُ والعشائرُ والإِثنيات، وفي تسييسِها بما يتجاوزُ هذه التراكيب اللاعقلانية.
حين تفتحُ مصر في أول شهور ثورتِها معبر رفح مع قطاع غزة بشكل دائم، ولا تلتفتُ إلى أَيِّ اعتباراتٍ إسرائيليةٍ في هذا الخصوص، وحين تعلنُ إِجراءاتٍ مهمةٍ في تيسير إقامة الفلسطينيين في الأراضي المصرية، فإِنَّها في هذا، وغيرِه، تُؤَكِّد استقلاليةَ قرارِها السياسي، وأَولويةَ مصالحها الوطنية العليا، وتعيدُ اعتبارَ قضية فلسطين إلى موقعِها قضيةً وطنية مصرية. وفي اختلاف هذا الخيار عن مسلكٍ شائنٍ كان يتَّبعُه النظام السابق مع أَهل قطاع غزة، بحسب نعتِه من الوزير نبيل العربي، تتبدّى انعطافةٌ جوهريةٌ في سياسة مصر الخارجية، مزعجةٌ لإسرائيل، وربما مخيفةٌ لها، بحسبِ تعبير بعضِ الصحافةِ العبرية. ومثَّل نجاحُ الإدارة السياسيةِ والأَمنية المصريةِ الجديدة في تحقيق المصالحةِ الفلسطينية، مؤشراً على قدرةٍ مبكرةٍ لدى القاهرة الجديدة على النهوض بدورٍ قياديِّ وحيويِّ، سيتعزَّزُ لاحقاً مع تعافي مصر من أَمراضِ الفسادِ والمواتِ السياسيِّ والتسلط، ومع مضيِّهِا في مسارٍ ناجحٍ في هذا الاتجاه، يأْخذُها إلى موقعٍ متقدمٍ بين الديمقراطيات الناهضة في العالم، ويذهبُ باقتصادها إلى أَنْ يصيرَ من أَهم عشرين اقتصاداً، على ما أوضح خبيرٌ مختص، رهن الأمر بقدرةٍ مؤكدةٍ لدى أَهل مصر ونخبِها، على استثمار ممكنات بلدهم ومقدراته الغنية وثروته البشرية، وأَدمغتِه حين تبني بيئةً محفزّةً على الابتكار والعطاءِ والإنتاج.
لا ينتسبُ هذا الكلام إلى الإنشاء المسترسل إِياه، وفي الوقت نفسه لا يتعامى عن الحادث في هذه الأَيام من صخبٍ في مصر بشأن كيفيات انتقالها إلى النظام السياسيِّ الذي يتحقَّقُ فيه أَوفى شروط الديمقراطيةِ والحكم الصالح. ثمَّةَ جدلٌ ربما يجوزُ وصفُه بأَنَّه مقلقٌ، بين جماعة الإِخوان المسلمين ومن يُشايِعُهم من جهة، والقوى والائتلافات اليسارية والناصرية والليبرالية من جهة أُخرى، ويروجُ، في الأثناء، أَنَّ المجلسَ العسكريَّ الحاكم يُحابي الإِخوان في الخطواتِ التي يُجدولها ويطرَحها، من قبيل امتناعه عن أَن يصوغَ مجلسٌ تأْسيسيٌ الدستورَ الجديد قبل الانتخاباتِ البرلمانيةِ والرئاسية، وكذا صياغتُه تعديلاتٍ دستوريةً أَجرى عليها استفتاءً أَرضَت نتيجتُه الإسلاميين.
وأَياً كانت مآلاتُ هذا الصخب، ومقاديرُ وجاهةِ قلقِنا، نحن غير المصريين، من غلوٍّ في المبارزات الكلامية في أَثنائِه، فإِن قناعَتنا أَنَّ مصر ماضيةٌ إلى مستقبلٍ مطمئنٍ وواعدٍ، ننتظرُ، نحن العرب، منه رذاذاً كبيراً.