تسمع أحياناً أموراً لا يتقبلها وجدانك أبداً، ولكن الأيام لا تلبث أن تقدم لك الدليل تلو الدليل على ذلك، فتقتنع بأن الدنيا حولك تغيرت أكثر مما كنت تتصور، أحد الأمور التي لم أكن أتصورها هو تجنب المواطنين لبعضهم بعضاً في بعض المعاملات التجارية وتفضيلهم لغير المواطنين، ما يعيد إلى الأذهان بروتس وحتى أنت يا بروتس!!

 

في التأجير تحديداً اكتشفت أن المواطنين يفضلون غير المواطن كمستأجر لعقاراتهم، قالتها لي مرة إحدى الصديقات التي كانت بصدد استئجار بيت، قالت: نتصل بشركات العقارات التي تعرض عقاراتها في الصحف للإيجار، فنفاجأ بإنكارهم لوجود عقار شاغر لديهم، حتى سمعناها صراحةً من أحدهم: مواطنين، سوري!! المشكلة أن معاناة هذه المرأة قد تفاقمت لعدم حصولها على بيت تستأجره، فقط لأنها مواطنة.

 

وكنت سأقتنع بأنها تصرفات موظفين غير مواطنين، إلى أن قالتها لي صديقةٌ مثقفة ٌتملك عقاراً مؤجّراً، قالت: والمستأجرون غير مواطنين ما يجعلني أطمئن على شقتي! لا يعرف المرء ماذا يقول، ولكن مما لا شك فيه أن قاعدة «الأقربون أولى بالمعروف» يجب أن تؤصل ويعاد زرعها في نفوس الناس.

مما يُفاجأ به كل من يضع قدماً في عالم العقارات بائعاً أو مشترياً، هو كثرة «الدلالين» غير المواطنين كثرة ًملاحظة، «دلالين» من جميع الجنسيات، صحيح أن المكاتب العقارية مسجلة بأسماء مواطنين، ولكن جل، إن لم يكن كل، العاملين فيها غير مواطنين، المعروف أن هذه المهنة أصيلة ٌفي المواطنين، ثم إنها لا تحتاج إلى شهادات وخبرات، بقدر ما تحتاج إلى صفات شخصية معينة تؤهل الشخص للاستمرار، بالتالي فإن حصرها في المواطنين أو على الأقل تحديد نسبتهم بما يزيد على النصف في المكاتب العقارية، سيشكل مصدر دخل جيداً لهم، خاصة إذا روعيت المرونة في هذا الجانب، بحيث يتمكن المواطن من جعلها مهنةً ثانية وليست رئيسية.

يصدم المواطن في بعض المكاتب التجارية بتلك العقود ذات الصفحات التي تناهز العشر، والمكتوبة كلها باللغة الإنجليزية، على المرء أن يقرأها حرفاً حرفاً، قبل أن يتخذ قراره طبعاً، فهل كل المواطنين مجيدون للإنجليزية حتى نأمن وضعهم في هكذا مأزق؟ ثم، لماذا هذا المأزق من الأساس، لماذا لا توجد ترجمة لهذه العقود بحيث يكون الجميع في أمان؟ لسنا هنا في دكان أو سوبر ماركت كي تكون كلفة الخطأ دراهم معدودة، إننا في سوق العقار، وسوء الفهم أو الخطأ كلفته عالية جداً، فلماذا لا تبسط الأمور وتؤخذ بطبيعتها، ويحدث الناس بلغتهم في هذا المجال المهم والمكلف؟

بعض الموظفين في الشركات والجهات الرسمية العقارية، يقولون لك: «لا تصدق الدلالين»، وراجعنا في كل صغيرة وكبيرة، والدلالون يقولون عن تلك الجهات: معلوماتهم ناقصة، عملية تشكيك متبادلة «تجعل الحليم حيران!»، ولا أدري لماذا لا يُبدأ بالتوعية الصحيحة عبر وسائل الإعلام في هذا الجانب، خاصة والوضع العقاري قد تنامى وتضاعف كثيراً خلال السنوات الماضية، بينما لا يزال كثير من الناس واقفين عند ذلك الزمن الذي كانت الأمور فيه سهلةً واضحة لا تتطلب أكثر من زيارة واحدةٍ لدائرة الأراضي لإتمام أي صفقة مهما كان سعرها بكل بساطة ويسر.