أحياناً نحتاج إلى حركة دوران قوية، لإصلاح خلل ما أو لتثبيت واقع جديد، اليوم هــذا ما يحتاجه واقعنا اللغــوي، تحدثنا كثيراً عن ذلك وسنظل نتحدث ما دمنا قــد صنعنا واقعا غير مناســب وجعلنا نتفرج عليه.

 

وهو ينمو ويتجذر في حياتنا، وجل ما نصنعه هو الحديث عن هذا الواقع، بينما جذوره تمتد وتمتد، وسنظل نتحدث لأن اللغة ليست ترفاً ولا أمراً كمالياً ثانوياً يمكن تأجيل النظر فيه أو تجاهله، اللغة حياة لأنها الناقل الرئيسي لكل شيء في هذه الحياة.

 

واقعنا المشاهد اليوم هو أننا انتقلنا من تفضيل الانجليزية إلى تمجيد الانجليزية، كان الناس يتعلمونها ويسعون لتعليمها لأبنائهم إلى درجة التغاضي عن سلبيات كثيرة، لأنها لغة العلم ولغة اليوم ولغة الغد كما ظنوا، أما اليوم فلد انتقلنا إلى مرحلة أخرى، صارت الانجليزية فيها لغة النخبة، يفضلون التخاطب بها حتى مع بعضهم البعض،.

 

ويفضلون الكتابة الأدبية بها، ويثبتون طلاقتهم فيها في كل مناسبة، إنه واقع، وعلينا احترامه، والنظر لايجابياته، في الوقت الذي يجب أن نقوم به بقفزتنا الهائلة، نحو تثبيت وتمجيد العربية بما يليق بها وبأنفسنا.

 

خطورة تمجيد لغة أخرى غير لغتك، هي مثل خطورة تمجيد الأشخاص الغرباء عنك، والأفكار التي لا تنتمي إليك، إنه لا يأخذك إلا إلى الأسر، وهو ليس أسرا جميلا على أية حال، سائرون نحو الوقت الذي ننسلخ فيه تماما من لغتنا بتصفيق ودعم من النخبة المثقفة التي، يأخذها المجال من جهة، .

 

وتأخذها واقعها التعليمي الذي شارك الجميع في صنعه ذات يوم قريب نحو ذلك، سائرون إلى اليوم الذي نصبح فيه كمن يأكل طعاما لا يستسيغه، ولكنه مضطر إلى تقبله مبتسما، لأنه ازدرى طعامه المفضل مرارا وتكرارا في السر والعلن.

 

هذا، وإن كان تمجيد الإنجليزية هو الظاهــر في المشهد اللغــوي اليــوم، فــإن ذلك لا يجب أن يصرفنا عن ملاحظة أن نوعاً من التحرر من عقدة الانجليزية قد سبق ذلك، لقد تحررنا من خوفنا على الأبناء من عدم قدرتهم على إتقان هذه اللغة، وهي تلقفهم منذ لحظة الميلاد وتمضي معهم في كل مناحي الحياة منذ الصغر،.

 

وتحررنا من خوفنا نحن ذوي الثقافة العربية من قدرتنا على الانطلاق في بحر هذه اللغة قراءة وكتابة ومحادثة، بعد التطور الهائل في وسائل الاتصال، والانفتاح الكبير على شعوب كثيرة تعيش معنا، لا نجد مناصا من التواصل معها عبر هذه اللغة، ولا شك أن كثيرين قد اكتشفوها من جديد، وبدأوا بالتعرف عليها وعلى جمالياتها في أجواء هذه الحرية.

 

الجميل في الأمر، أن نقاط البدء والختام تتداخل أحياناً، فنحن نبدأ في أمر ما قبل أن ننتقل مما سبق، هكذا فإن أجواء التحرر والتمجيد تحضران معاً اليوم في حياتنا، ليحدثا نوعاً من التوازن الذي يبدو أنه يسعدنا ويجعلنا نركن إليه، .

 

ولكن الأمور لن تستمر كذلك، فسرعان ما سيتغلب أحدهما على الآخر، لنجد أنفسنا إما قد اتخذنا الانجليزية لغة ثانية، نحبها ونتذوقها ونتداولها دون أن تستعبدنا أو تلغي لغتنا، أو سنجدنا قد اتخذناها لغة بديلة، تستعبد أرواحنا وعقولنا.

 

اللحظة اللغوية الراهنة، لا تزال ملك أيدينا، ونحتاج إلى حركة ثقافية حضارية هائلة، تحافظ على مكتسباتنا وتنهي تسرب العربية من بين أيدينا، وتحقق لنا السيادة اللغوية التي إن ذهبت، عزت العودة، وغلا الثمن المطلوب.