ما الذي، بالضبط، يمنع تشكيل نجيب ميقاتي (مع حفظ الألقاب) حكومته في لبنان، وقد مضى على تكليفه أَزيدُ من مئةٍ وعشرين يوماً؟

عجيبٌ أَنْ تختار الأَغلبيةُ النيابيةُ التي استجدَّت بقدرةِ قادر (؟)، هناك، الرجل للمهمَّة، بانتزاعِه من المجموعة التي نجحَ على لائِحتِها في الانتخابات النيابية، ثم يُطوِّقُه جزء من هذه الاغلبية باشتراطاتٍ لا يحتملها، ويماحكُ رئيس الجمهورية في عددِ المقاعدِ الوزاريةِ التي يراها حصَّةً له، ويُهدِّد بأَنَّه إِذا لم تلبّ مطالبه فعلى ميقاتي أَن يمضي إِلى سبيله. غريبٌ هذا السلوكُ الذي لا يظهر أَيّ إِحساسٍ بالمسؤوليةِ الوطنية، وقبلَها وبعدَها المسؤولية الأَخلاقية، وتتواطأُ الأطراف الأخرى مع هذا السلوك، مداهنةً ومسايرة لحليفِها، رغم أَنف بعضها. وفيما المشهدُ في بعضِ تفاصيلِه المضجرة على هذا النحو، لا يبدو مهماً لدى هؤلاء أَنْ تقومَ حكومةٌ أَمْ لا، وليُثرثر المعلقون كما يشاؤون عن ضوءٍ أَخضرَ لم يأت أَو عن حسمٍ إِقليمي لم يتحقَّق بعد.

قد لا يكونُ هذا الاجتهاد في تفسير هذا المقطع المستجدِّ في الخراب اللبناني المزمن، جوهرياً أَمام الحقيقة الأَهم، وهي أَن لبنان لا يعرف إِجماعاً وطنياً على مفهوم الدولة ووظائِفها، كما أَنَّ منسوبَ الديمقراطية فيه محدودٌ جداً، على غير الإِشاعةِ الرائجةِ عن تنعُّمِه بديمقراطيةٍ وفيرة. فالصحيحُ ما قاله منذ سنوات، الدكتور سليم الحص، متَّعه الله بالصحة، «إِن في لبنان قليلاً من الديمقراطية وكثيراً من الحرية»، لأَنَّ الديمقراطية ليست أَنْ يقول أَيٌّ كان أَيَّ شيءٍ عن أَيٍّ كان، إِنها بنيانٌ مؤسساتيٌّ في نظامٍ سياسي.

وكان طيباً من الحص أَنه عقَّبَ على قول الرئيس ميشال سليمان، الأَسبوع الماضي، إِنَّ لبنان يُطبِّق ديمقراطيةً فريدةً ونموذجيةً في العالم، هي الديمقراطيةُ التوافقية، بأَنَّ لبنان يفتقرُ حتى إِلى الحد الأَدنى من الممارسةِ الديمقراطية الصحيحة، وإِنَّ للديمقراطيةِ علامات فارقة، لا ديمقراطية حقيقية في البلاد إِنْ لم توجد، أَهمها التمثيلُ الصحيح للشعب في الحكم، ووجود آليات فاعلة للمساءَلة والمحاسبة، وكلتاهما غير متوفرتين في لبنان على وجه فاعل.

هي أُطروحةٌ ثمينةٌ من رجل دولةٍ من طرازٍ راق، تكشطُ المساحيقَ الثقيلة عن أُزعومةِ لبنان الديمقراطي، كان من غير الظريف بشأْنها قول إميل لحود، مرَّةً، إِنَّ ما يُزعج إِسرائيل من لبنان أَنَّ الديمقراطية فيه أَفضلُ الديمقراطيات في العالم، وقول وليد جنبلاط، إِبان واحدةٍ من خصوماتِه مع سوريا، إِنَّ الأَخيرةَ تستهدف لبنان، لأَنَّه النموذجُ الديمقراطيُّ الوحيدُ في المنطقة العربية. وفي بلدٍ مخرومٍ بالطائفيةِ وسطوة زعاماتِ الطوائفِ ونفوذِ المال السياسي، ليس هذا الكلامُ مقنعاً على أَيِّ وجهٍ كان.

ولمّا كان استعصاءُ ولادةِ حكومةٍ من أَغلبيةٍ نيابيةٍ تختارُ رئيساً للحكومةِ، يستمرُّ ولا تبدو له نهاية بعد أزيد من مئة يوم، فذلك يُدلِّلُ على بؤسِ الديمقراطيةِ المشوَّهةِ المُتغنّى بها، تماماً كما استغرقت ولادةُ حكومة الوحدة الوطنية التي سبقتها ثلاثة شهور بعد تكليف سعد الحريري برئاستها. وشاهدنا كيف كانت تلك الوحدةُ هشَّةً، وربما مثيرةً للسخرية، بسبب فائضِ التكاذُب المكشوفِ فيها، تماماً كما فائضُ الضحكِ على الذقون بعد اتفاق الدوحة، إِبان حكومة فؤاد السنيورة الثانية. أَمّا فائضُ تورُّمِ الذات عند ميشيل عون، وغيرِه ربما، فبعضٌ مما اصطدم به نجيب ميقاتي، بعد تورُّطِه في وهمِ قُدرتِه على تشكيلَ حكومة في وسعِه أَنْ يَرأَسها لاحقاً، وهو ما لا يبدو متوقعاً.