كما انبجس زيت الثروة السودانية في جنوب كردفان، تلتهب من الإقليم نفسه حرب الشمال والجنوب مجدداً، أو تشرق عليهما شمس السلام. أبيي هي كعب أخيل الاتفاق المفضي إلى الانقسام، وهي سرة الجوار الآمن بين القطرين الخارجين للتو من تحت ركام أطول الحروب الأهلية في القارة السمراء.
الشماليون والجنوبيون يدركون جوهر هذه الحقيقة الجيوبوليتيكية، ويعرفون في الوقت ذاته مخاطر إبقاء منطقة المحاددة على صفيح ساخن. على نقيض هذا الوعي تماماً يبدو سلوك الطرفين إزاء حسم القضايا العالقة في جنوب كردفان.
وراء التناقض بين الإدراك والسلوك دوافع عدة تحرك الطرفين. جنوب كردفان تشكل وجهة يُصدِّر إليها اهتمام رعايا السلطتين في الخرطوم وجوبا هرباً من مواجهة الوفاء باستحقاقات وطنية عاجلة تتمحور حول إرساء السلام وتجذير التحول الديمقراطي وإطلاق البناء والتنمية.
النظامان في الشمال والجنوب مثقلان بأعباء لا طاقة لهما بها. على ظهر المؤتمر الحاكم في الخرطوم أحمال شح الموارد بعد شح عائدات أنبوب النفط الآيلة إلى الجنوب.
ضعف ضخ الأنبوب النفطي كشف الإهمال الفادح للاستثمار الزراعي في المشروعات القائمة وتلك المحتملة.
ضغط العنصر المادي يزداد على الخرطوم مع واقع الهدر الطائل على مؤسسات النظام الهلامية والفساد المستفحل في أحشائه على نحو سرطاني.
الحركة مطالبة من جانبها بغرس نظام ديمقراطي تعددي، يصهر الفسيفساء القبلية وبناء دولة متماسكة. الحركة الشعبية لم تتخلص بعد من روح تنظيم حرب العصابات.
نظام الخرطوم مبعثر الاهتمامات على جبهات ساخنة عدة أكثرها التهاباً دارفور. استكمال طي ملف الجوار الجنوبي على نسق نيفاشا ربما يغري الدارفوريين لترسّم مسار الجنوبيين. ذلك خيار وارد لا يرغب المؤتمر في مواجهته.
الطرفان أدمنا تصدير خلافاتهما المصيرية إلى الخارج. أبيي ظلت مسألة عصية وهي عرضة للتداول في الخارج حتى عندما مثلت أمام التحكيم الدولي.
بانكفائها على مسألة تقرير المصير أفسحت الحركة للمؤتمر المسرح من أجل الانفراد بأمر الشمال. تلك خطوة أفرغت القوى السياسية من فعالياتها وأفقدت الحركة حليفاً استراتيجياً. كان بالإمكان أن يكون ضاغطاً على المؤتمر. قيادات الحركة تشربت نظرة المؤتمر للقوى السياسية السودانية المتجسدة في رؤيتها عبر قادتها بصيغة شخصية وليست كيانات ومؤسسات لها رصيد تاريخي ثر وقواعد شعبية عريضة.
المؤتمر والحركة يتجاهلان وعياً متقدماً لدى تلك القواعد يصب نقداً مكثفاً على المهدي والميرغني والترابي ونقد. هو نقد لا ينبع أو يتقصد طعن تلك القيادات في التقدم في السن كما هو مكرور المؤتمر، بل لمواصلة أولئك الرجال المحترمين الرهان على إمكانية توافق وطني مع الإنقاذيين.
بدلاً من ممارسات الاستقواء والإغواء وقرع طبول الحرب قبيل وبعد الانتخابات في كردفان كان من المفيد للقطرين المتشطرين التوافق على شخصية لمنصب الوالي في إطار مرحلة تجعل المنطقة معبراً لعلاقات الجوار الحسن والعيش المشترك.
السودان بشقيه الشمالي والجنوبي لن يبقى بعيداً عن تداعيات الحراك الشعبي العارم في المنطقة. سياسة قفز الحواجز الممارسة من قبل المؤتمر والحركة ست سنوات ويزيد، لم تعد ملائمة للتغيرات الدراماتيكية في الخارطة السياسية. لعبة دفع الخلافات إلى حافة الهاوية لم تعد آمنة. إذا استمر الطرفان في نهج إبقاء جنوب كردفان على سطح ساخن سيواجهان الانفجار لا محالة في الإقليم نفسه أو في العمق.