أكثر من ثلاثة عقود مضت ذهبت فيها الشعوب العربية في غيبوبة طويلة، ظن معها البعض أنها لن تفيق منها أبدا، وتلاشى تماما الرهان على حركة الشعوب مع استقواء الأنظمة الحاكمة وتمدد نفوذها للسيطرة التامة على كل شيء في المجتمع، بما في ذلك نخبة المجتمع من نجوم السياسة والثقافة والفنانين والإعلاميين والرياضيين وغيرهم.
ولم يكن أمام هذه النخبة إلا أن تتعامل مع السلطة وتتقرب منها وتتجاهل تماما الشعوب وقضاياها، وأصبحت كلمة الشعب أو الجماهير تستخدم فقط لتجميل النظام الحاكم، ليقال إنه يحكم باسمها ويستمد منها شرعيته المزعومة، بينما هي بالنسبة للنخبة مجرد إطار فارغ من أي محتوى، يستخدم فقط للتبرير والتعليل، .
حيث يقول المثقف أو السياسي أو الفنان، أنه يعبر عن نبض الشارع أو عن قضايا الشعب.. وكلها عبارات فارغة وبعيدة عن الواقع، وتستخدمها النخبة للتجميل ولتقربهم زلفى من الناس ومن السلطة، وأيضا لتضعهم في دائرة اهتمام الأنظمة الحاكمة لو كانوا من معارضيها، أما الشعوب فهي خارج الحسابات.
وبقدر ما شكلت الثورات الشعبية مفاجأة وصدمة كبيرة للأنظمة الحاكمة، بقدر ما شكلت أيضا مفاجأة وارتباكا كبيرا للنخبة، وقد بدا هذا واضحا في الحالتين التونسية والمصرية، حيث وجدنا هذه النخبة من رجال السياسة والأحزاب ومن الفنانين والإعلاميين وغيرهم من نجوم المجتمع، متخبطين ومترددين ما بين تأييد للثورة ورفض لها، وما بين دعم للثوار أو مهاجمتهم وانتقادهم، وعندما حسم الأمر برحيل النظام أسقط في يد المهاجمين والمنتقدين، .
وظهرت قوائم العار تحوي العديد من أسماء النخبة من فنانين وإعلاميين وساسة، وغيرهم ممن راهنوا على النظام ودعموه بقوة ضد الثورة. وكان من الممكن لقوائم العار هذه أن تتسع لتشمل أضعاف ما شملت من أسماء، لولا السرعة المذهلة التي رحل بها النظامان في تونس ومصر، هذه السرعة التي أنقذت الكثيرين من سعداء الحظ من النخبة الذين اعتادوا عقودا طويلة على منافقة النظام الحاكم والتقرب منه، وكانوا على وشك تأييده ضد الثورة الشعبية، لولا تردد بعضهم قليلا أو غيابه لظروف خاصة.
أمثال هؤلاء الذين أفلتوا من قوائم العار لم يفلتوا من حساب الشعب لهم، ولسوء حظهم أن فضائحهم في النفاق للنظام مسجلة بالصوت والصورة على مواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك واليوتيوب والتويترز .
.. وغيرها). وقد أدهشني تبرير أحد نجوم هذه النخبة، الذي كان يوما ما من أكبر رموز المعارضة القوية صاحبة المبادئ، ثم تحول إلى بوق للنظام بعد توليه رئاسة تحرير جريدة أسبوعية تابعة للحكومة، حيث قال في لقاء تليفزيوني، ردا على موقفه السلبي من الثورة: «لا تحاسبني على مواقف كانت دفعا لضرر أو سعيا لمنفعة»! كم هو مقزز تلاعب المثقفين بالكلمات، عندما تسقط عنهم أوراق التوت..
عامل السرعة في الثورتين التونسية والمصرية، بقدر ما تحول إلى وبال وبلاء للأنظمة الحاكمة وشجع الشعوب ضدها، تحول أيضا إلى شراك خداع وفخ للنخبة في الدول العربية الأخرى، التي شهدت وما زالت تشهد حراكا شعبيا ثورث لايا، حيحظنا هرولة سريعة من النخبة، من رجال السياسة والفكر والفن والإعلام وغيرهم، للانضماماهير ام للجلشعبية وتأييدها، سعيا من بعضهم لكسب الفرصة وخوفا لدى بعضهم من الوقوع في قوائم العار، .
بينما هناك آخرون وضعوا رهانهم على الأنظمة التتصارع من أجي ل البقاء وتشبثوا بها، بعضهم لثقته في قوة النظام وبقائه، وبعضهم لمنفعة مادية آنية، وكثير مف ورعنهم لخوب من بطش النظام.
هذه هي أزمة النخبة العربية المثقفة، وأزمة كل من يسعى للبقاء في دائرة الضوء، عندما يفقد القدرة على اختيار القرار المناسب في الوقت المناسب.