الفنان الكبير دريد لحام: بعد تحية..
أَظنُّه بديهياً مديحُ إِبداعاتِك، المسرحيةِ والتلفزيونيةِ وبعض السينمائية. تكفي الإِشارةُ هنا إِلى موقعِها الطيِّبِ في ذاكرة أَجيالٍ عربيةٍ من المنامةِ إِلى مراكش، وأَنها ظلت من مصادِر غبطتِهم منذ تلفزيون الأَبيض والأَسود. وأَظنُّ صلاحيَّتَها باقيةٌ في بثِّ التسريةِ عن نفوسِنا. ولأَنَّ ما يستحقُّه ما أَبهجْتَنا به نحو خمسين عاماً من ثناءٍ أَجمعَ العرب عليه، فإِنَّ بقاءَك في مطرحٍ بهيٍّ في وجدانِنا لا يليقُ به أَن ينْخَدش. ولأَنَّ الصراحةَ أَوجبُ مع من نحبُّ ونحترم، تذهبُ هذه الرسالةُ إِليك بالحقيقةِ الأَشدِّ وضوحاً، في هذه الأَيام تحديداً، وهي أَنك أَسأْتَ كثيراً إِلى مكانتِك تلك، فجعلتَ مطرحَك في مداركِنا وخيالاتنا يهتز، كيف لا ومُراءاتُك الحكمَ والسلطة، تهبطُ بك إِلى موضعٍ صغير، سيَّما وأَنك تضنُّ على القتلى والمصابين والمعتقلين والمفقودين، بكلمةِ تعاطف، أَو أَقله بمشاعرَ إِنسانيَّةٍ عابرة.
في ذاكرتِنا، لغوار الطوشة صيحةٌ في مشهدٍ تلفزيونيٍ سبعيني، عن عدمِ استطاعتِنا فتح أَفواهنا إِلا عند طبيب الأَسنان، وكذا طلبُه في مسرحية «ضيعة تشرين» من «أَبو نارة» أَن يفتح الراديو على إِذاعة لندن لنعرفَ ما يدور عندنا، كان ذلك قبل 37 عاماً، وما زال القياسُ عليه ممكناً في سوريا للأَسف. في تلك المسرحية، مخابراتٌ تلفق التهمَ لمن تعتقلهم، ويبكي غوار لأَنَّ من يضربه ليس الغريب، بل ابن بلده. لا حصر في أَعمالك للمَشاهِد التي استحقَّت وصفَها، في وقتِها، وإلى الآن ربما، بأَنها جريئة، إِذْ تُؤشِّر إِلى أَجهزةِ التسلط والتجبر وجورِها على الناس، وإِلى تعالي المسؤولين على مواطنيهم. وفي «غربة»، كان بديعاً أَنَّ الحكومة تفوز بالجائزة الأُولى في عيدِ الكذب كلَّ عام، وفيها لوحاتٌ كنتَ نجماً فيها، عن استهانةِ السلطة برعاياها واستغلالِهم، وتجسُّسِها عليهم.
أَرشيف غوار الطوشة وفيرٌ في تأْشيرِه قبل زمنِ الفضائيات وحديث حقوق الإِنسان، إِلى سوءاتِ الحكومات العربية وأَجهزتِها الأَمنية. كان يُقال في حينِه إِنَّ أَعمالك، أُستاذ دريد، تنفيسيَّة، وإِنه يُباحُ لك وحدَك من الفنانين السوريين، أَنْ تقولَ ما تقول، ليتنفَّسَ عبره مواطنوك بعض هواءِ الحريةِ المفتقد، فيما، والحقُّ يُقال، أنك انتزعتَ حصانَتك من قيمةِ الإِبداع العالية في ما تقدمه من فنٍّ رائق. نتذكر ذلك الزمن، ومساحاتِ غوار فيه، فيغشانا حزنٌ غزير، ونحن نلحظك لا تُهادن السلطة وتمالئها فقط، بل تردد، أيضاً، رواياتِ «الدس» بشأْن الجاري من احتجاجاتٍ، وكأَنَّ السوريين أَقلُّ من عربٍ أَشقاءَ لهم في أَشواقِهم إلى الحرية والكرامة والديمـــقراطية والعدالة! وهذه قيمٌ طالما حضرت في أَعمالك، أُستاذ دريد، ولا نقعُ عليها في تصــــريحاتِك الراهنة التي ارتضيتَ فيها أَنْ تكون صوتا سلطويا، فيما لك سلطتُك الخاصة، انتـــــظرنا أَنْ تتـــــسلح بها عندما تجهر بنُصرة أَبناءِ وطـــــنك، وترفض استسهــــالَ رميِ الرصــاص عليهم، وترفع صوتك عالياً بوجوبِ التســــــريعِ بإصــــلاحاتٍ جوهريةٍ.
لم تفعلْ شيئاً من هذا، وكان صمتُك محزناً. التفتَّ، فقط، إِلى فتنةٍ تُحدثها المظاهرات، وقلتَ إِنَّ الجيش من يحفظُ السلم الأهلي في البلد، وكانت هذه سقطةً، أَيها الفنان الكبير، فهذا السلمُ تحققه عدالةُ الحكم وديمقراطيِّتُه، وتواصُلُ السلطةِ مع ناسها، وإِنصاتها إِلى تطلعاتهم، وليس حسبانُهم مشتبهاً بهم ما لم يثبت إِخلاصُهم للنظام وسُلطتِه.
يحسنُ أَنْ تعرف، أُستاذ دريد، أَنَّ صورتَك انخلعت من مطرحِها، فصرنا نخافُ أَنْ تغيبَ عن خيالاتِنا البهجةُ الباقية فينا، والتي أَشعلها غوار الطوشة، أَرجوك أَن تتذكَّره... سلام.