بروح تقارب الرومانسية فجر الشباب العربي ثورات مستغرقة في الواقعية. التحريض بدأ برسائل عبر الشبكة العنكبوتية، صدى الرسائل فاجأ المرسلين يوم بدأ الشباب النزول إلى الشوارع. جميع الحداة اعترفوا بهول المباغتة لحجم التجاوب وسرعته من قبل المتلقي.

هذه الفئة الطليعية شكلت بدورها بؤرة مغناطيسية عالية الجذب لشرائح المجتمع المتباينة. بالضرورة لم يكن الخارجون إلى الساحات والشوارع العامة هم من المسحوقين.

ربما الخط المشترك بين أولئك جميعاً هو الغضب. الاستبداد أو الفساد يكفي لتفجير بركان الشعب المقموع فما بالك إذا اجتمع الاثنان.

بما أن الانفجار الشعبي جاء مفاجئاً للثائرين فإن أقصى غايات الغليان تمثل في الحفاظ على إيقاع الثورات حتى الإطاحة بالنظام.

الإصرار الشعبي على الصمود أربك قدرات القيادات الظالمة والفاسدة فاختبأت وراء الجدران الأمنية.

الشباب التونسي في وجه العسكر باغت الأمة العربية بأسرها. ما من خاطر راود أحد عباقرة النظام المصري السابق عن مشهد ميدان التحرير في نهايات يناير.

الشوارع اليمنية الفائضة بالبشر مثل نهر متدفق في زخم الفيضان صورة لم تكن تخاطر أي مخيلة عربية. درعا باغتت العالم بأسره.

في كل التجارب المتناسخة عبر الشاشات البلورية تمنينا أقصى غايات هواة الثورات وجموعها في إطاحة الأنظمة المزمنة الظالمة الفاسدة. ربما بدا في رومانسية الثورة المفرطة ذلك الإنجاز حلماً ليس في متناول الأيدي التي تسد الأفق بسنابل القمح تحت ريح باردة.

بعدما تحول الحلم واقعاً انفتحت العيون على مهام أكثر صعوبة من إطاحة الأنظمة. إعادة البناء أكثر مشقة من عمليات الهدم وإزاحة الأنقاض. على قناعة الجميع بالسير على طريق الديمقراطية إلا أن هذا الطريق على وجه الخصوص محفوف بالمخاطر والمزالق.

بعدما سكنت رياح الثورة في تونس ومصر بدأت تيارات الثورة المضادة تطفو على السطح. تلك ليست هي القضية. مفصل الأزمة كامن في معسكر الثورة نفسها. الثورة المضادة ليست في بقايا الأنظمة التي تحاول الحفاظ على مكاسبها أو تجنب الذهاب إلى محكمة العدل والتاريخ.

الخطر الماثل المحدق بالتجارب الديمقراطية الوليدة يتمثل في قوى التخلف المكتسبة بالايديولوجيات الملتبسة وأوكار الأفكار السلفية المحنطة ومثيري الفتن والنعرات الإثنية والمذهبية والطائفية. تلك القوى التي اختبأت عند بزوغ الثورات.

خطر هؤلاء لا يتجسد فقط في ممارساتهم الهمجية بل في قدراتهم التنظيمية. التجارب تؤكد مقدرة الأقليات المنظمة على تحقيق مكاسب في المراحل الديمقراطية الهشة.

بينما ينشط هؤلاء تحت شعور الجد في إثبات وجودهم القاعدي ترتخي مفاصل الأغلبيات المطمئنة إلى اتساع شعبيتها حتى تفاجأ بنتائج دراماتيكية. لهذا تتعجل قوى بعينها الذهاب إلى صناديق الاقتراع. ما لم تسارع قوى الخير والتقدم إلى تجميع قواها المترهلة والمبعثرة ستجد نفسها أمام حالة احتباس جديدة تتطلب ثورة ثانية لا محالة.