قطعت الثورة الفرنسية أكثر من خمسين عاما قبل أن تتجلى مظاهر نجاحها بإقرار النظام البديل للملكية المطلقة. بين تحطيم سجن الباستيل رمز الاستبداد والاستعباد والدكتاتورية.

 

وتثبيت أركان الجمهورية الأولى بشعاراتها التاريخية عن الإخاء والحرية والمساواة، مرت الثورة بحالة ممتدة من عدم الاستقرار، كادت تطيح بحلم التغيير الجذري والانتقال من عصر إلى عصر. ويعرف المؤرخون والشراح أنه في غمرة غليانها وعشوائيتها وحمأتها الأولى، راح ضحية هذه الثورة بعض ممن لم يفتقروا للنقاء والطهرية الوطنية، وساهموا في تدعيم أسسها وإرساء قواعدها عند اندلاع شرارتها في صيف ‬1789.

 

في روسيا حدثت أمور معاكسة تقريبا للمثل الفرنسي. فبعد مرور سبعين عاما على الثورة البلشفية، عاد الحنين إلى بعض معطيات العهد البائد، كالنظام الرأسمالي المصحوب بشيء كثير من القطيعة مع المثل الاشتراكية وتعبيراتها الاجتماعية والاقتصادية..

 

ولا يخلو نموذج الثورة الصينية من بواعث الحيرة والجدل.. فمع غياب مفجر الثورة وملهمها ماو تسي تونغ، بدأت رحلة النقد والنقض لكثير من معطيات الثورة ونتائجها. واليوم لا يمكن الزعم بسهولة أن صين ماو ورفاقه، ما زالت كما هي دون انحراف أو تحريف عما تصوروه ونظّروا له.

 

وتطرح السير الذاتية لثورات التغيير نماذج أخرى، انتهت سريعا إلى الإخفاق بعد فرحة الانقلاب على الماضي.. كشأن ثورة محمد مصدق في إيران في خمسينات القرن الماضي، التي أزاحت النظام الشاهاني لفترة تحسب بالشهور.

 

وتندرج تحت هذه الملاحظة تجارب عربية شهيرة، فمعظم أنظمة الحكم العربية التي نالتها عوارض الغضب الثوري منذ بداية ‬2011 ووسمت بالفساد والتنكيل بالبلاد والعباد، جاءت على خلفية تحولات وصفت قبل عقود بالثورية.

 

مثل هذه النماذج الثورية ذات النتائج المراوحة والسجالية، بين حدي النجاح الكامل والفشل المطلق وما بينهما، تثير بإلحاح مجموعة من التساؤلات الدالة، منها بلا حصر: متى يصح الحكم على حراك ثوري بالنجاح أو الفشل؟

 

وإذا كان مناط مفهوم الثورة وتمايزه عن مفهوم الإصلاح هو التغيير المجتمعي الشامل، فما هي معايير أو جرعات التغيير المطلوبة لاعتبار التحولات التي تطال مختلف القطاعات في مجتمع ما، هي بالفعل تحولات ثورية أو جذرية؟.. ثم ما هي الفترة الزمنية التي يفترض انقضاؤها قبل إصدار الحكم على ثورة، أو على حراك يدعي الثورية، بالنجاح أو الفشل؟

 

لقد اضطلعت الثورة الروسية بإحداث تغييرات فارقة كبرى، ثم تولى بعض ورثة هذه الثورة من داخلها إجراء تغييرات كبرى أيضا، ولكن في الاتجاه المعاكس، بعد نيف وسبعين عاما، فكيف نقيم هذه الحقبة؟ وبشيء من التصرف، ينطبق السؤال ذاته على سير بعض التجارب العربية، كالتجربة المصرية منذ ‬1952 واليمنية منذ ‬1962 والليبية منذ ,‬1969. ندفع بهذه التأملات والخواطر والاستفهامات.

 

وفي يقيننا أن مجتمعات ما بعد هذه الثورات، بما فيها تلك التي قد توصف بعد حين بالانتكاس أو الردة والإحباط، لا يمكن أن تظل على حالها. بمعنى أن الحركات أو الحراكات التي تتوشح بالثورية وترفع شعارات التغيير الشامل، لا بد أنها تترك إرثا معينا وتطبع معالم خاصة بها على جلد المجتمعات الخارجي، وأحيانا في عمقها وتضاعيفها.

 

نود القول بصيغة أخرى، إن المجتمعات التي يخفق فيها الحراك الثوري لا تستأنف حياتها من محطة ما قبل هذا الحراك.. فروسيا اليوم ليست نسخة طبق الأصل من روسيا ما قبل ‬1917، ومصر ما بعد رحيل عبد الناصر والارتداد عن كثير من أفكاره منذ ‬1970، ليست مصر ما قبل ‬1952.

 

ولا يمن ما بعد عبد الله السلال عادت يوما إلى زمن الإمام البدر وآبائه قبل خمسين عاما... ومع ذلك تظل الأسئلة المتعلقة بمعايير نجاح الثورات وفشلها، مشروعة تنتظر إجابات موضوعية وإبداعية.

 

د