تذهب إلى المراكز التجارية في الدول الغربية فلا تقع عيناك على امرأة ترتدي ما يشبه لباس البحر أبداً، الأمر لا علاقة له بالدين، ولكنها ثقافة مجتمع، بينما يحدث أن ترى ذلك في مراكزنا التجارية، فهل هي ثقافة مجتمعنا؟! طبعاً لا، إذا ذهبت إلى المراكز التجارية القريبة من مجمعات العمال والمناطق السكنية التي يكثر فيها غير المواطنين، فستشاهد مجموعات من الفلبينيين ربما ارتدى بعضهم فانلات داخلية، يتحدثون ويضحكون بصوت عالٍ جداً يكاد يسمعه كل من في المركز، وسترى مجموعات من (البتان) المتجمعين في زوايا المركز لغرض الفرجة، هكذا عياناً جهاراً، وستجد ربما أولاداً من الهنود يلعبون (عسكر وحرامية) داخل المركز، فهل هذه التصرفات تناسب ثقافة مجتمعنا؟ طبعاً لا.

أمر آخر يتعلق بالفنون، والموسيقى تحديدا، ففي الغرب تتمشى في السوق، تدخل المحلات والمطاعم، فلا يحدث أن تزعجك الموسيقى، فهي ليست في كل مكان وأينما تكون يعرفون الدرجة التي يجب أن يصل فيها ارتفاعها، إنها ثقافة مجتمع، ربما ليسوا في حاجة لمن يخبرهم حدودهم في ذلك، لأنها معروفة عُرفاً، ولكن الموسيقى هنا تحولت إلى ما يشبه الوباء، تدخل المراكز التجارية فتجد الموسيقى العالية تصدح في المكان كله، تدخل المحلات، تجدها كلا على حدة لها موسيقاها الصاخبة الموترة لأعصاب الزبائن غالباً، تدخل المطعم تجد نفس الحال، تخبر النادل بأنك قررت تناول الطعام في الهواء الطلق، فإذا بالهواء الطلق معبأ كذلك بالموسيقى، فهل هذه هي ثقافة مجتمعنا؟ طبعاً لا.

هناك لم يحتملوا رؤية النساء المنقبات في شوارعهم ومكاتبهم، ووصل الأمر إلى مناقشة الأمر في البرلمانات قبل منعه في بعض الدول، لأن ذلك يتعارض مع ثقافة المجتمع عندهم ببساطة، ولكنا هنا في الأحياء التي لا يزال المواطنون يسكنونها، نجد النساء والرجال من الأوروبيين والصينيين والأفارقة يمرون أمام المساجد والبيوت والمحلات بالسراويل القصيرة والملابس الفاضحة، فهل هذه ثقافة مجتمعنا؟، لماذا ما لا يحدث هناك بسبب ثقافة المجتمع يحدث هنا على الرغم من ثقافة المجتمع؟!

المشكلة أن لا أحد يفرض النظام المطلوب، وربما توجهت إلى رجل الأمن في المركز فخاف أن يوجه أحداً، وإن كانوا صبية جاءوا لمجرد إشاعة الضجيج والفوضى، أتساءل: لماذا لا تضع المراكز التجارية قانونها مكتوباً عند الباب؟، لماذا لا تضع لوحات توضيحية هنا وهناك لإفهام الجميع بعضاً مما عليهم الالتزام به؟ لماذا يتجول صاحب المركز كل يوم فيه، فلا ينتبه لهذه التجاوزات القيمية والذوقية، ولا يفكر في وضع بصمته الخاصة النابعة من بيئته على عمله التجاري؟ في النهاية ثقافة ما ستنبثق من كل هذا الخليط، فماذا وكيف نتوقعها تكون؟

ثقافة أي مجتمع تكونت عبر دهور طويلة، تمكنت فيها من مد الجذور عميقاً في الأرض، ولكنها مثل كل الأشجار العظيمة تحتاج إلى فضاء واسع يخصها وحدها كي تمنح الظل الكثيف لكل من يعيش أو يمر تحتها، حسناً وما لا يدرك كله لا يترك جله، دعنا نقول إن وجود هذا الخليط من الشعوب يحتاج إلى وضع ضوابط واضحة في شتى مناحي الحياة، عشنا زمناً طويلاً معتمدين في يجوز وما لا يجوز على العرف، وعلى الأركان الأخرى لثقافتنا المجتمعية، ولكن ونحن نجمع عشرات الجنسيات المختلفة على هذه الأرض، يبدو التفكير في وضع الضوابط عبر القوانين والأنظمة ملحاً أكثر اليوم، وهذه الأنظمة لا يجب أن تغفل شيئاً أبداً، لأن هذه الشعوب وقد ابتعدت عن مجتمعاتها وقيمها لن تستطيع فهم لغة غير النظام والقانون، وهي محقة في ذلك.

طبعاً لا مجال هنا للفهم المعكوس، بدعوى أننا مجتمع منفتح على جميع الثقافات ولا يمكننا التدخل في حريات البشر، فهؤلاء البشر أنفسهم يريدون أن يعرفوا قواعد الحياة الطبيعية التي تتيح لهم التعامل السلس مع الآخرين من دون خوف الوقوع في الخطأ أو المستهجن من السلوك.