ما الذي أَراده، بالضبط، من وراءَ مرتكب التفجير الإِرهابي في المقهى البهيِّ في مراكش الخميس الماضي؟ لم يُعلنوا شيئاً بشأْنِ غرضِهم الأَسود، ولم نعرف بعدُ أَيَّ نوعٍ هم من خفافيشِ القتل، ولكنْ، نُخمِّنُ أَنَّهم أَرادوا التخريب إِياه ليس إِلا، بدعاوى ليست ملحةً معرفتُها، بالقدر الذي تلزمُ فيه اليقظةُ الأَمنيةُ والمجتمعيةُ والثقافيةُ بصدد معتَنقيها، قاعديين كانوا أَم أَشباه وأَشباح قاعديين. الأَهم هو الانتباهُ إِلى إِجماع التكوينات والفاعليات الواسعةِ في الحقل السياسي والفضاء الثقافي في المغرب، ومعها السلطة والمؤسسة الملكية، على المضيِّ في مسار الإِصلاحِ السياسي الذي ينخرطُ فيه المغرب بحيويةٍ مدهشة.
فلا يتأَثَّرُ بالجريمةِ التي أَزهقت أَرواح 16 إِنساناً في موقع سياحيٍّ من عيون مواقع التراث الإِنسانيِّ الشفويِّ، بحسبِ تصنيف اليونسكو ساحةَ جامع الفنا التي يطلُّ عليها المقهى الرائق، والذي يتذكَّر كاتبُ هذه السطور جلساته فيه في زياراتِه مراكش إِبّان مُقامِه في المغرب. وفي البال أَنَّ التفجيراتِ في الدار البيضاء في 2003، وقضى فيها 45 إِنساناً، لم تعترض مضيَّ المغرب، بتنويعاتِه كافة، نحو مشروعِه الديمقراطيِّ المدينيِّ الحديث، وإِنْ ظلت الدولةُ المغربيةُ شريكةً مهمةً في الحرب العالميةِ ضد الإِرهاب.
يحسنُ الالتفاتُ الجديُّ إِلى التفاصيلِ الغزيرةِ في النقاشِ الجاري في المغرب، وتشارك فيه الأَحزابُ والتمثيلاتُ الشبابيةُ والحركاتُ الاحتجاجية والتكوينات الحقوقية والفاعلياتُ الثقافية، حول الدستور الذي يريده المغاربة وأَشواقهم الديمقراطيةِ التي يتطلعون إِلى إِنجازِها. سبقَ هذا الحال، بوتيرةٍ نخبويةٍ بعض الشيء، ظهورَ حركة 20 فبراير التي تكتلت أَولاً في «فيس بوك»، ثم صارت لها مسيراتُها المطلبيةُ والاحتجاجيةُ، لكنَّ زخم النقاش الجديد، والذي بلغَ فورةً شديدَة الإِدهاش، استجدَّ بعد خطاب الملك محمد السادس في 9 مارس الماضي، والذي أَعلن فيه التخلي عن دستور 1996، وتكليفَه لجنةً مختصَّةً بإِعداد تعديلاتٍ لإِنجاز دستورٍ جديد، يتمُّ استفتاءٌ شعبيُّ على مشروعِه في الصيف.
مسيراتٌ ومظاهراتٌ هناك يتعب من يَعُدُّها، تجهرُ بكل شيء، تناوئُ الفسادَ والغلاء، وتطالبُ بزيادة الرواتب والأُجور، وبإبعاد نافذين يتهمهم المحتجون بإِساءَة استخدام السلطة، وتدعو إلى مواجهةِ الكسب غير المشروع، وإِلى إِصلاحاتٍ توسع صلاحيات الوزير الأول. وفي الأَثناء، يُواكب الأَمن المسيراتِ بيقظةٍ ووداعةٍ، وفيما تتناسل الحركات المطلبية والاحتجاجية، بل وينشقُّ بعضُها على بعضِها، وفيما يظهرُ في مقابِلها من يُعارضها برؤىً مغايرة، وفيما يتوازى هذا كله مع ضجيجٍ في الصحافةِ عن كل شيء، يعلنُ العاهل المغربي في خطابِه، التاريخيِّ حقاً ومن دون تزيِّدٍ إِنشائيٍّ، عن إِصلاحات يُؤشِّر إِلى وجوبِها في الدستور الجديد، من شأن بعضها تقليل صلاحيات الملك. وتثور معارضاتٌ لكيفيةِ تشكيل اللجنة، ويُرَدُّ عليها، وتدخلُ البلد في زوبعةِ اجتهادات يرى الداعون إليها ضرورتها في الدستور الجديد، فيصير أَغلب المغاربة وكأَنهم فقهاءُ دستوريون. ويروح النقاشُ إِلى مفاضلاتٍ بين الملكيتين البرلمانية والدستورية، ولا يُساقُ إِلى السجون من يحكون في المقاهي ويكتبون في الجرائد عن الملكية التي تسودُ ولا تَحكم.
يوردُ الملك في خطاب 9 مارس أَنَّ من الإِصلاحاتِ المنشودةِ في الدستور الجديد، إِدراج توصياتِ هيئةِ الإِنصاف والمصالحة فيه، وهي الهيئةُ التي أَشرفت على تجربةٍ استثنائيةٍ عربياً، وفريدةٍ عالمثالثياً، وبموجبها تمَّ تعويضُ معتقلين سياسيين سابقين عانوا من جورٍ واضطهادٍ كبيرين مادياً ومعنوياً، وتمَّ تنظيمُ جلسات استماعٍ إِلى شهاداتِهم عن معاناتِهم تلك، بثَّتها الإِذاعة والتلفزة الرسميتان. وكانت هذه محطةً سابقةً في الاستثناءِ الديمقراطيِّ والحقوقيِّ المغربيِّ، على الرغم من بعضِ شوائِبِه التي يحدُثُ أَنْ تَطرأ، ويعدُّ الجاري راهناً من حراكٍ في نقاش سياسي وديمقراطيٍّ متقدمٍ، محطةً جديدةً في الاستثناءِ نفسِه، وإِن شابه اعتقال الزميل الصحافي رشيد نيني واستنطاقه. استدعت التأشيرَ الموجز هنا إلى هذا المشهد، جريمة آثمةٌ في مقهىً مراكشيٍّ بديع.