هناك، في مدينته ميلانو، دُفن، الأَحد الماضي، النصيرُ الإِيطاليُّ البهيُّ للشعبِ الفلسطينيِّ فيتوري أَريغوني (‬34 عاماً)، والذي تُعدُّ جريمةُ قتلِه، قبل أَيام في غزة، بأَيدي فلسطينيين مأْفونين، فضيحةً تُؤشِّرُ إِلى انحدارٍ مريعٍ في الحالِ الفلسطينيِّ الموبوءِ بالانقسامِ المُخزي، وبتفشّي نزوعٍ قاعديٍّ أَعمى في بعضِ تفاصيلِه الغزَّيةِ مع اختطافِ القطاع. لا يُبهجنا أَنَّ تأْبينيْن لفيتوري في رام الله وغزة تواقَتا في الساعةِ نفسِها، لأَنَّ الأَوجبَ على الماكثين في سلطتي جناحي الوطن، بحسب التعبيرِ المكرور، أَنْ يُغادرا هذه الفلكلوريةِ غيرِ المُفرحِة، فيمضيا بشجاعةٍ ومسؤوليةٍ ملحَّتيْن إِلى إِنهاءِ ما هما فيه من شِقاق.

مثلَ أَجانبَ كثيرين متضامنين مع فلسطين وشعبِها يتقاطرون إِليها، لم يلتفت فيتوري إِلى هذا الحال المقيت، نَظرَ إِلى أُفقٍ إِنسانيٍّ يجمعُه مع أَهل قطاع غزة، وهم يُغالبون الحصارَ والبؤس، لمّا قَدِم إِليهم مع ‬44 ناشطاً، قبل نحو ثلاثةِ أَعوام، لمعاونتِهم، ثم بقيَ بينهم، تاركاً في بلده والدته ووالدَه الذي أَصاب كثيراً في قوله عند تشييع نجلِه، مع جمعٍ من العرب والمسلمين وأَنصار الحرية والعدالة في العالم، إِنَّ فيتوري هو الفلسطيني وقتلتُه غيرُ فلسطينيين.

تقصيرُ الإِعلام العربيِّ، بفضائياتِه وجرائِده، فادحٌ في الإِضاءَةِ على ما يقومُ به مئاتُ الناشطين الأَجانب في نصرةِ الفلسطينيين، في مواجهةِ الحصار والجدار العنصريِّ في غزة والضفة الغربية. ولولا الجريمة الشنيعة التي قضى فيها على أَيدي من قيلَ إِنَّهم سلفيون، لما اشتُهر الدورُ النبيلُ الذي كان يقوم به فيتوري، وهو الذي ردَّ على من عابَ عليه تركَه والدَه المريض بالسرطان في إِيطاليا، فيما يقيمُ مع أَهل غزة، بأَنَّ ثمة من يعينُ والده هناك، وليس ثمة من يُعين هؤلاء هنا. كأَنَّه كان عليه أَنْ يقضي في الجريمةِ الحمقاءِ لنعرفَ ما صرنا نعرفُه عنه، وعن تهديدٍ بالقتلِ تلقّاه قبلَ عامين من موقعٍ أَميركيٍّ يميني، بسببِ نشرِه تقارير في صحفٍ غربيةٍ عن معاناةِ الغزّيين تحت وطأَة الحصار، وفي مرمى الاعتداءاتِ الإِسرائيلية التي كان يرافق في أَثنائِها الصيادين والمزارعين لحمايتِهم منها، وقد أُصيب في إِحدى غاراتِ الحرب التي شنَّها جيشُ الاحتلال في نهايات ‬2008.

متضامنون مع الشعبِ الفلسطيني، منذ سنواتِ الكفاحِ المسلح والعملِ الفدائي، قضوا بالرصاصِ الإِسرائيليِّ، وفي جرائِمَ جهدت تل أَبيب في التعميةِ عليها والتحايلِ على دعواتٍ قضائية بشأْنها، ووحده فيتوري قضى قتلاً بعد خطفِه بأَيدٍ فلسطينية. لا يليقُ أَن يُنسى الأَلماني هارولد فيشر، والبريطانيون توم هورندال وإِيان هوك وجيمس ميللر، والإِيطالي رفائيل تشيريللو، والأَميركية ريتشيل كوري، راحوا في رام الله وبيت جالا وجنين ورفح، في وقائع قتلٍ مكشوفةٍ ارتكبها جنود الاحتلال. ولا يُغفلُ الأَتراكُ التسعةُ الذين قضوا في البحرِ، في جائحةِ العدوان الوحشيِّ إياه، والذي من المقرر، في ذكراه الأولى بعد أيام، أَن تبحر إِلى غزة ‬15 سفينة في «أُسطول الحرية ‬2»، تقلُّ ناشطين من عدة دول، منهم والدة فيتوري التي قالت إِنَّ مشاركتها ستكونُ لترى غزة التي آمنَ نجلها بها، ولتقابلَ أَهلها الطيبين الذين طالما حدَّثها عنهم، ولتؤكد لهم أنَّ مسيرتَه ستتواصل، وأنَّ أَصدقاءَ له سيكملون مشوارَه.

اختار هؤلاء التضامنَ الإِنسانيَّ والإِعلامي مع الفلسطينيين تحت الاحتلال، وفي طورِ العمل الفدائيِّ قضت الفرنسيةُ فرونسواز كيستمان والنيكاراغواي باتريك أُورغويللو واليابانيان تسويوشي أُوكادايرا وياسويوكي ياسودا، في البحر والجو والبر، بالرصاص الإِسرائيلي، وأُسر الياباني كوزو أوكاموتو سنواتٍ. نتذكرَّهم، ونُذكِّرُ بهم، وبمثقفين وكتابٍ وفنانين أَجانب عديدين، وجدوا في القضيةِ الفلسطينيةِ أُفقاً إِنسانياً لهجسِهم بالحريةِ والعدالةِ في الأَرض، كما فيتوري أَليغوري الذي يجدرُ أَنْ نشهرَ اسمه عالياً، نحن العرب، وهو الذي التفَّ بدنُه بعلمٍ فلسطينيٍّ.. هناك في ميلانو.