عندما أَورثَ فيديل كاسترو (‬84 عاما) رئاسةَ كوبا إلى شقيقِه راؤول كاسترو (‬79 عاما)، قبل ثلاثةِ أَعوام، نُشر أَنَّه غادَر مواقعَه القياديَّةَ في الحزب الشيوعي الحاكم، ولم نلتفت، في تلك الغضون، إِلى أَنَّ الزعيم الذي يقيمُ منذئِذٍ في مستشفىً، ظلَّ السكرتير الأَول للجنةِ المركزيةِ للحزب الذي يحتكرُ السلطةَ هناك منذ خمسةٍ وأَربعين عاماً. ولم تستحق المسأَلةُ الاكتراثَ بها، بالنظرِ إِلى اللحظةِ التاريخيَّةِ في جنوحِ كاسترو إِلى التداوي من سقمِه، والاكتفاءِ باستقبالِ زوارهِ في مستشفىً يمكثُ فيه وبكتابةِ المقالاتِ المنتظمة (ناصَر في إِحداها قبل أَيّام معمر القذافي)، غير أَنَّ ما أُعلنَ الأُسبوع الجاري عن تخلي كاسترو عن منصبِه هذا أَثناء المؤتمر السادس للحزب، يذكِّرنا بالموقعِ الأَول للزعيم العليل في الحزبِ الأَوحدِ في بلادِه. الأَهم من هذا، ربما، مباركةُ فيديل كاسترو الإصلاحاتِ التي اقترحها شقيقُه الرئيس ووزير الدفاع السابق خمسين عاماً، وهي شديدةُ الأهمية، سيَّما وأَنَّ كوبا تروح فيها إِلى اقتصاد السوق، مع التوافقِ مع جوهر الاشتراكية(!). وفي الأَخبار أَنَّ الأَلف عضوٍ في اللجنةِ المركزية للحزب، صوتوا «بالإِجماع!» على حزمةِ الإصلاحات التي تهدفُ إلى «تحديث الاقتصاد الاشتراكي للبلاد وإنعاشِه، وتعزيز الانتاجية».

كأَنَّ الإِصلاحَ يضربُ في كوبا الآن، وفي البال أَنَّ التَّخففَ من إِدارةِ الدولةِ الاقتصادَ بشكلٍ كامل، بدأَ قبل سنوات، وإِنْ ببطءٍ وحذرٍ، في فتحِ المجال أَمام القطاع الخاص، ما ساعدَ في السيطرةِ على نِسبِ البطالة، وإِبقاءِ السياحةِ جيِّدةً ومستوياتِ التعليم العالي كبيرةً، غير أَنَّ الجرعةَ المستجدَّة من إِصلاحات راؤول كاسترو تُسَرِّعُ وتيرةَ هذا الخيار، والذي تتأَكَّدُ جذرية الأَخذ به في موازاتِه مع تحديدِ ولاية المسؤولين الكبار في كوبا بعشر سنوات، أَيْ بولايتين لا تتجدّدان. وقد كتب الزعيمُ العتيقُ أَنَّ الجيلَ الجديد في بلادِه مدعوٌّ من دون تردُّدٍ إِلى تصويبِ وتغييرِ كلِّ ما يجبُ تصويبُه وتغييرُه، «مع الاستمرار في إِثبات أَنَّ الاشتراكيةَ هي أَيضاً فنُّ تحقيق المستحيل». ويمكنُ التأْشيرُ هنا إِلى أَنَّ كوبا تتجه، إِذنْ، إِلى تظهيرِ قياداتٍ فيها، ليسوا بالضرورةِ من حواريي الأَخوين كاسترو اللذين صارا إِصلاحييْن جسوريْن، إِذْ أَقرَّ راؤول بأَنَّ القيادةَ لم تنجحْ في تقديمِ وجوهٍ جديدةٍ لتولّي المسؤولية، ووصفَ المسأَلةَ بأَنها «محرجةٌ جداً لنا أَننا لم ننجحْ في حلِّ هذه المشكلة في نصفِ قرن».

مبكرٌ أَنْ يشطّ الخيالُ إِلى ما قد تصيرُ عليه كوبا، وهي في طورٍ تُغادِرُ فيه اكتفاءَها باطمئنانِها إياه لمعاداتِها الإِمبرياليةِ الأَميركية، واعتبار الولايات المتحدة سببَ كلِّ حالٍ رديءٍ فيها. وفي البالِ أَنَّ فيديل كاسترو، قبيل إِقامتِهِ في مصحَّةِ النقاهة، دعا إِلى أَنْ تنفتحَ بلادُه على العالم فينفتحَ عليها، ليستطيعَ شعبُها أَنْ يتطلعَ إِلى المستقبل بأَمل. وفي البالِ أَيضاً أَنَّ هذا الرجل الذي تمنّى، مرَّةً، أَنْ يكونَ كاتباً كما صديقُه غابرييل غارسيا ماركيز يتحمَّل مسؤوليةً كبرى في الحصارِ الذي تكابِدُه كوبا، على ما للخارجِ من مسؤوليةٍ في ذلك لا تُجيزُ التعامي عن الفرديَّةِ والإِقصاءِ وإِلغاءِ الحرياتِ العامة في عقودِ حكم كاسترو.

لا يستطيبُ هذا الكلامَ معجبون كثيرون بثوريةِ الزعيم النبيل في بعضِ سجاياه، وبقدرتِه على أَنْ يَخطبَ تسعَ ساعاتٍ متواصلة، وعلى أَنْ ينجوَ من ‬836 محاولةِ اغتيالٍ، وبثباتِهِ في مواقعِه على الرَّغم من محاربةِ أَميركا نظامَه. يستحقُّ كاسترو أَنْ يُغرَمَ به بعضُنا، وإِنْ انشقَّت عنه ابنتُه أَلينا (كما ابنة ستالين!)، والتي فرَّت من كوبا متنكرَّةً بجوازِ سفرٍ مزوَّر، وكتبت عنه في مذكراتِها أنَّه يحبُّ الشكولاتة الأرستقراطية، وأَنانيٌّ يحبُّ السلطة، وشخصيتُه عنيفة، وأَعدَمَ رفاقاً له قدامى... نتذكَّرٌ هذا وغيرَه، فيما نترقَّبُ إِصلاحاً في كوبا، يبدأُ بمغادرةِ فيديل كاسترو قيادةَ الحزب الشيوعيِّ هناك.