الغارة الإسرائيلية الأخيرة على بورسودان لم تكشف فقط وهن المؤسسة العسكرية السودانية. الأكثر مدعاة للقلق هو انكشاف السودان ساحة مفتوحة لنشاط استخباراتي محموم.
كثرة الأيدي الخارجية المغموسة في الشأن السوداني في غضون العقدين الأخيرين فرض على تلك الأطراف اللهث وراء المعلومات وفتح قنوات للتأثير. تدويل قضيتي الجنوب والغرب أغرى دولاً كبرى وصغرى لإيجاد موطئ قدم في الساحة السودانية.
الطفرة النفطية أغرت بدورها الباحثين عن فرص الاستثمار والمغامرين المدربين على الاكتناز السريع بالتدافع نحو السودان. الألفة السودانية الحميمة المعتادة في الخرطوم انزوت تحت ضغط كثافة الشحنات القادمة من مدارات متباينة قصية وقريبة.
في سبيل تأمين السلطة انشغلت أجهزة النظام الأمنية بحمايته ومن ثم انهمكت في رصد ومتابعة الخصوم المعارضين التقليديين والمحتملين. كما تعددت الأذرع العسكرية للنظام على نحو أضعفت مكانة وقدرات الجيش تعددت أجهزة الأمن على نحو أفضى إلى فوضى أكثر مما أدى إلى انضباط. بما أن النظام تعهد الفرز في المواطنة بين الموالين والمعارضين فكلتا المؤسستين خضعتا لحسابات غايتها الأولوية للبقاء. ذلك منهج عزز الأولوية للنظام على حساب الوطن.
في ظل التدافع الخارجي على الساحة السودانية بدافعي لهاث الاكتناز من الخيرات والمعلومات انكشفت الساحة أمام مغامرين متعددي النشاطات. بين هؤلاء أصحاب قضايا ومنهم أصحاب مآرب أخرى.
قبل سنين ثلاث لفت سياسي سوداني ثقة إلى أن الخرطوم أضحت وكراً للتجسس في المنطقة. معروف أن واشنطن تشيد أكبر سفارة أميركية في أفريقيا والشرق الأوسط. التعاون بين أجهزة المخابرات بين البلدين لم يعد سراً بل هو أحد المعابر الأساسية لإعادة تطبيع العلاقات الثنائية.
ثمة ظاهرة مثيرة للفضول في الخرطوم تتمثل في فيلات وشقق في مناطق تجارية تعلوها أسماء لا علاقة لها بالبزنس أحياناً. كلها تتغشاها حركة تتسم بالحذر والتخفي لكن الداخل إليها والخارج منها تبدو عليه سمات الوفرة الحياتية. كثير ممن يحدثك عن مثل هذه الفيلات والشقق يصنفها ضمن مقار الأمن. ربما يكون ذلك صحيحاً ومفيداً للآخرين معرفته لكن من يضمن أن مثل هؤلاء لا يتاجرون فعلاً في المعلومات مع أطراف خارجية تحت سقف الفوضى غير المحدود، الحذر يشي بانها تخبئ نشاطات ليست لصالح الشعب وربما الوطن.
مسؤولية الجناح السياسي في النظام لا تنحصر فقط في فوضى الساحة المفتوحة أمام المقامرين، ارتباطه الايديولوجي بجهات خارجية جعل الوطن كذلك عرضة لمغامرين من طينة أخرى. النظام احتضن وافدين من انتماءات محددة حصلوا على امتيازات متنوعة يدفع الشعب فاتورتها بعملات متباينة.
فوضى المظلة السياسية فتح الأفق أمام تقاطعات خارجية محمومة زاد الساحة ارتباكاً بما في ذلك النظام وأجهزة الأمن المتعددة. الرئيس السوداني نفسه اعتبر القوات الدولية في لحظة ما عبئاً ثقيلاً على الشعب. الرئيس لم يتهم الضباط متعددي الجنسيات بالتخابر لكن من يبرئ الضباط متعددي الجنسيات من مهمة تقديم تقارير إلى القيادات في عواصمهم؟ من يجزم بعدم دس ضباط مخابرات بين تلك المفارز العسكرية.
الرئيس ومعاونوه اتهموا مراراً منظمات الإغاثة الخارجية والداخلية ومنظمات حقوق الإنسان ونشطاء وافدين ومحليين بالتخابر لصالح جهات أجنبية. الاتهامات تجاوزت إلى عقوبات الطرد والحبس.
داخل هذه الغابة المتشابكة يدفع أبرياء ضرائب باهظة مثل رجل الأعمال وسائقه في السيارة المستهدفة في الغارة الإسرائيلية الأخيرة. الطائرة أخطأت السيارة المعنية لكنها لم تخطئ التوقيت. مطاردة الفلسطيني المستهدف تكشف دون جدل شبكة تجسس إسرائيلية واسعة النشاط. هل هذه الشبكة تعتمد على عناصر إسرائيلية أم بينها سودانيون؟ اتهام مواطنين بالعمالة يطال من يعرضهم للإغراءات والانزلاق إلى مزالق الخيانة.