لا أحد يدري بالضبط ماذا يحدث في مصر الآن، فمنذ إعلان انتصار الثورة المصرية والأمور ليست على ما يرام، وعلى ما يبدو فإن هناك من لا يريد لفرحة الشعب المصري بثورته أن تستمر، بل ربما لا نبالغ إذا قلنا إن هناك من ما زال عنده أمل في عودة الحال إلى ما كان عليه من قبل، حتى ولو بدون مبارك وحاشيته، وهذا ما نلاحظه من سير الأحداث وتطوراتها، وكثرة الحديث عن الثورة المضادة.

وكذلك ما نشاهده ونقرأه يومياً في وسائل الإعلام. ومن يجلس أمام شاشات التليفزيون المصري، الحكومي منه أو المستقل، يصاب بالتشاؤم والإحباط، وأحياناً كثيرة بالدهشة من تصدر الكثير من رموز النظام السابق لشاشات التليفزيون، أما شباب الثورة وأبطالها الحقيقيون فقد تراجع تواجدهم بشكل ملحوظ، وأصبح لا يمر يوم دون أن نسمع في وسائل الإعلام المصرية الرسمية من يمدح في الرئيس المخلوع أو يذكره بالخير، ونسمع عبارة تتكرر كثيراً الآن تقول «ليس كل الثوار ملائكة.

وليس كل أعضاء الحزب الوطني شياطين»، ونشاهد من كان بالأمس يهاجم ثورة الشباب، وهو يحاول تبرير موقفه ويدافع عن نفسه وحتى عن الرئيس المخلوع قائلًا «له حسناته وسيئاته»، ولا أحد يرد عليه أو يلومه أو يذكره بالفساد والمليارات التي سرقها الرئيس وعائلته وحاشيته، أو حتى يذكره بالشهداء من شباب مصر الأبرياء الذين ماتوا برصاصات النظام الفاسد، في نفس الوقت لا نرى الآن من شاركوا في الثورة منذ أول لحظة فيها وراهنوا على مصالحهم وسمعتهم، بل وعلى حياتهم، سواء من الفنانين أو المثقفين أو غيرهم.

بعد أقل من شهرين على انتصار الثورة العظيمة، يتساءل الناس في مصر «أين الثورة؟»، أين الثورة وشبابها الذين دبروا لها وقاموا بها وأبهروا العالم كله بأدائهم الثوري الحضاري الحديث، حتى باتوا محل دراسات وأبحاث للعديد من الجهات خارج مصر، وخاصة في الغرب الذي أصابته الدهشة والانبهار الشديد من مدى رقي وتحضر هذه الثورة؟

لقد شاهدنا على «اليوتيوب» المواطن البريطاني الذي وقف يخطب في المتظاهرين في لندن ويشيد بالثورة المصرية، ويقول لحكومته «لا نريد القيم البريطانية.. علمونا قيم الثورة المصرية»، ولا أدري لماذا لا يعرض التليفزيون المصري الحكومي والمستقل هذه المشاهد الرائعة، بدلًا من البرامج المحبطة المتشائمة، وكأنهم عمداً وبشكل مخطط له، يريدون أن يضعوا حداً لفرحة وحماس الشعب المصري!

العالم كله ما زال يتحدث عن الثورة المصرية التي كتبت عنها صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» الأميركية تقول إن «العالم سيتعلم الكثير من الثورة الشعبية المصرية»، بينما الإعلام المصري الذي تتحكم فيه شلل وعصابات رجال أعمال النظام السابق، لا ينفك بعد أيام قليلة من إعلان انتصار الثورة، ينادي الناس أن يكفوا عن التظاهر والاعتصامات والاحتجاجات، بحجة إعادة عجلة الحياة وبناء الاقتصاد، وكأن الاقتصاد المصري المنهوب والمنهار على مدى ثلاثة عقود وأكثر، ستدمره احتجاجات ومظاهرات المساكين والفقراء المطحونين المقهورين.

الحزب الوطني الذي قامت الثورة ضده، باقٍ ويستعد لخوض انتخابات الرئاسة والبرلمان، وبنفس الاسم «إمعاناً في الاستفزاز»، ورجال أعمال النظام السابق باقون ويشكلون بأموالهم أحزاباً يجمعون فيها نخبة المرتزقة من نجوم المجتمع وأنصاف المثقفين المنافقين.

وأيضاً آلاف الأعضاء استعداداً للانقضاض على السلطة من جديد، وكذلك رموز المعارضة المستأنسة السابقة، من أحزاب وجماعات وشخصيات، تحشد قواها وتستعد هي أيضاً لقطف الثمار، والإعلام هايص وشغال لحساب الحبايب والأقارب ومن يدفع أكثر.

وعواجيز الزفة الذين ركبوا الثورة دبت فيهم الحياة من جديد، فأعلنوا مبكراً عن ترشحهم للرئاسة وباتوا يجوبون المدن ويعقدون المؤتمرات، ومؤامرة غياب الأمن في البلاد ما زالت مستمرة بدون تفسير. الأمر يثير الخوف والقلق، ويستدعي النداء لشباب الثورة «استعدوا للعودة لميدان التحرير».