تُؤشِّرُ الوثيقةُ الوطنيةُ المطوَّرةُ لمادةِ اللغةِ العربيةِ للتعليم العام، والتي أّعدَّتها وزارةُ التربية والتعليم، إِلى حرص الحكومة المُعلن على معالجةِ الأَوضاع غير المُرضيةِ للغة العربية في الدولة، وإِلى إِدراكِ القياداتِ المسؤولةِ في مواقعِ التخطيطِ والتنفيذِ لوجوب الأَخذ بكيفياتِ الحدِّ من مخاطرَ غيرِ هيِّنةٍ تستهدفُ اللغةَ العربيةَ في الإمارات. وإِذْ تعتني الوثيقةُ المقترحةُ، البديلةُ عن سابقةٍ لها، بتطويرِ مناهجِ العربية من مرحلةِ رياض الأَطفال إِلى الصفِّ الثاني عشر في المدارسِ التي تُطبِّق منهاجَ الوزارة، فذلك يعني أَنَّها تختصُ بالمرحلةِ الأَهم في تنشئِةِ الفرد وتشكيل وعيِهِ الأَول بالعالم. وهنا، تَتَبدّى الوجاهةُ المؤَكَّدةُ لتشديدِ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، على أَنَّ اللغةَ العربية إِحدى الركائِز الأَساسية للهوية الوطنية، والوسيلةُ الأَقوى في بناءِ الشخصيةِ العربية، وأَنَّه «على عاتقنا جميعاً، أَفراداً ومسؤولين، إِيجاد السبل الملائِمة لتعزيزِ محبَّةِ اللغةِ العربية بين أَطفالنا وشبابنا».

بصراحة، لا تجوزُ التعميةُ على واقعِ العربية المقلق في الإِمارات، وقد أَسهم مختصون في تشخيصه بكفاءَة، ونتذكَّر أَنَّ وزارةَ التربية والتعليم أَوردت، قبل أَعوام، أَنه لا علاقةَ لـ‬42 من طلبةِ الرابع الابتدائي في الدولة باللغة العربية. وأَنَّ الدكتورة لطيفة النجار وصفت الضعفَ المريعَ بين الطلبةِ والمعلمين في العربيةِ بالمصيبةِ الكبرى، ونشرت أَنَّ طلبةً كثيرين لا يُفَرِّقون بين التاءَين المربوطةِ والمفتوحة. وكتبت الدكتورة فاطمة البريكي أَنَّ ثمةَ معلمين ومعلمات لا يُتقنون الكتابةَ من حيث التعريف والتنكير والتأنيث والتذكير. وهذه إحالاتٌ موجزةٌ إِلى حالٍ مؤسفٍ، يتصلُ براهنِ استخدامِ العربيةِ في الفضاءِ العام في الدولة، ومنه استخدامُ مؤَسساتٍ وشركاتٍ وبنوكٍ الإنجليزية في المكاتباتِ والمحادثاتِ بين الموظفين وبينهم وبين الجمهور، صدوراً عن إِحساسٍ بأَنَّ استخدام العربية يُؤشِّرُ إِلى دونيَّةٍ ما.

وإِذْ يحتاجُ فتحُ هذا الملف بتفاصيلِه إِلى شجاعةٍ خاصَّة، يحسنُ التنويهُ، في الوقتِ نفسِه، بإِصدارِ وزارةِ التربية والتعليم قبل أَعوام ‬13 إِجراءً واقتراحاً لحماية العربيةِ وتطويرِها، منها تعزيز جهود مؤسسات المجتمع للمحافظة عليها والعنايةِ بتوظيفِها واستخدامِها في المراسلاتِ والعقودِ والمكاتبات، وفي الملتقياتِ والمؤتمراتِ والمحافل، بحيث تكونُ اللغةَ الأُولى. ولا يُنسى أَنَّ مجلس الوزراء أَكَّدَ في قرارٍ في ‬2007 على اعتماد العربيةِ لغةً رسميةً في المؤسسات والهيئات الاتحاديةِ في إِمارات الدولة، وهو قرارٌ يلزمُ المؤسسات والمنشآت العامة والخاصّة التقيّدَ به، وبالاحترام الواجبِ للعربية. وثمَّة التوصياتُ الثمينةُ لمؤتمر «اللغة العربية والتعليم...»، ونظمه مركز الإِمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أَبوظبي، منها إِيلاءُ معلمي العربية أَهميَّةً قصوى وإِعدادُهم وتأْهيلِهم، ودعمُهم بكل الوسائِل المعنويةِ والماديةِ الممكنة، لتمكينِهم من تطوير أَنفسِهم وأَداءِ مهمتهم بأَفضل الأَساليب الحديثة. وكان مهماً أَنَّ المؤتمرَ بحث مسأَلة اللغة العربية باعتبارِها تتعلق بالهويةِ الوطنية، وتدخلُ في «صميم الأَمنِ الوطني». ولا تُغفل، هنا، الجهودُ المحمودةُ لجمعية حمايةِ اللغة العربيةِ في الإمارات، منذ تأْسيسها في ‬2001، وهي التي تنشط بفعاليةٍ في العملِ الوطنيِّ العام في الدولة في سبيلِ الحفاظ على العربية.

طيّبٌ إِعلانُ معالي حميد القطامي وزير التربية والتعليم، تَطَلُّعِ الوزارة إِلى أَنْ تُصبِحَ العربيةُ جزءاً أَساسياً من حياةِ المتعلمين، وعنصراً مهماً في تكوينِهم المعرفيِّ والعاطفي. وطيِّبٌ أَنَّ إِصدارَ الوزارةِ الوثيقةَ الجديدةَ يَسَّر مناسبةً للتذكيرِ، مجدداً، بأَنَّ حمايةَ العربية في الإمارات عملٌ استراتيجي، كما في كل دولةٍ عربية. ولم يبالغْ المثقف البحريني الدكتور علي فخرو لمّا كتبَ، مرَّةً، أَنَّ ضعفَ لسان هذا الجيل لغةً وكلاماً سيحملُ كارثةً ثقافيةً ستتبعُها كارثةٌ سياسيةٌ في المستقبلِ المنظور. وربما لم يبالغْ الروائي المصري يوسف زيدان لمّا قال، الأسبوعَ الماضي في تلفزيون الشارقة، إِنَّ تردّي اللغةِ العربيةِ في بلادِها أَكثرُ خطورةً من إِسرائيل.