المشهد العربي يفرض حتمية الاعداد لثورة من أجل إنقاذ الثورة. لا تباين في ذلك بين الأقطار حيث أطاحت الجماهير أنظمة متكلسة أو أينما تهب شعوب لبلوغ الغاية ذاتها. استبصار قوى الثورة في كل البلدان يفضي إلى صدام لا مفر منه بين الفصائل المتحدة إبان مرحلة النهوض في وجه الأنظمة التوتاليتارية. أحد أجمل ملامح الثورات العربية ان كل شعب هب بكل تناقضاته السياسية والإثنية والطائفية من أجل هدم دول الفساد والاستبداد.
هذه التناقضات بدت تطفو على السطح في كل بلد قبل التخلص من مؤسسات ورموز الأنظمة البائدة. مع أن كل تيار يدرك أهمية الاصطفاف حتى إجهاض الثورة المضادة إلا أن التشققات داخل معسكرات الثورات بدأت مبكرة. إذا كان هناك خطر مشترك على الثورات العربية من داخل معسكراتها فهو التيار الإسلاموي بلا شك.
في كل الحالات العربية يبدو هذا التيار الأكثر تنظيماً واستعدادا لخوض المرحلة المقبلة ومن ثم الأوفر حظوظاً لاستثمارها وربما الانقضاض عليها. هو يستفيد في ذلك من طبيعة مجتمعات متدينة تقليدياً وتراكمت عليها في المرحلة الأخيرة ظروف غلبت عليها مظاهر التدين على نحو يجنح ربما إلى التطرف.
أزمة هذا التيار أو خطورته على الثورة تتمثل في تجاوز طبيعة تقليدية أخرى راسخة في مجتمعاته وهي التسامح. على الرغم من إمكانية الاتفاق على عدم فصل الدين عن الدولة إلا ان كل الحركات الإسلامية تذهب بهذا الشعار إلى احتكار السلطة وربما الثروة.
تحت ظل هذا الشعار ترفض تلك الحركات كل ما من شأنه ان يضفي على الدولة مظهر العلمانية. أمام هذه العقبة يجد الإسلاميون أنفسهم في صدام مباشر مع قوى سياسية ذات منطلقات علمانية. الصدام يشمل بالضرورة قطاعات اجتماعية في الوسط النسائي وطوائف دينية إذ تخسر تلك القوى والقطاعات والطوائف رهاناتها في حقوقها المستردة ومكاسبها في المساواة.
التجربة المصرية تقدم شاهداً حياً بما خطت على طريق الإعداد لأول انتخابات تعددية حرة منذ أكثر من 70 سنة. الاستفتاء على الدستور صب لجهة تطلعات الإخوان المسلمين. معظم قوى الثورة المصرية الفاعلة فضلت ابطال الدستور بدلاً عن تعديله بغية كتاب دستور مصري في ضوء معطيات الثورة إذ يصادر الحالي حقوق الاقباط والنساء في المساواة. مع ان الأغلبية الميكانيكية في المجتمع المصري التقليدي تقطع الطريق أمام المسيحي أو المرأة لبلوغ قصر الرئاسة إلا أن مثل هذا الحق يبقى مقدساً في دولة المواطنة الديمقراطية. إذاً تهديد الإخوان للديمقراطية لم يقتصر على الخطاب السياسي بل تجاوز المنابر إلى المؤسسات. هناك قوى سلفية أكثر خطراً حتى على الإخوان أنفسهم. من هنا جاء تحذير المجلس العسكري من ظهور خميني مصري.
هذا الحال ينطبق على تونس رغم ظهور الغنوشي في ثوب أكثر مرونة وعقلانية وربما جرأة إذ أعلن رفضه المساس بمكتسبات المرأة التونسية وهي مكاسب يراها اسلاميون كثر تناطح الشريعة. التاريخ يحذرنا من المواقف التكتيكية القابلة للتنصل في أقرب فرصة تبدو مواتية للتنكر أو التصلب. الانتخابات التونسية ليست بعيدة. الغنوشي أقرب لاكتساب حلفاء من طراز حزبي أحمد الشابي أو أحمد إبراهيم أو ربما الحزبين معاً فكلاهما لا يناطحان الإسلاميين.
بما ان الداخل الليبي لم يكن مكشوفاً للفرز السياسي فإن قتال الثوار المجيد من أجل الديمقراطية لا ينبغي تعريضه للشكوك في هذه المرحلة. مع ذلك فإن ملامح أكثر المتحدثين باسم الثورة والثوار تجنح بنا في الاتجاه المصري والتونسي.
الثورات العربية تفرض على الحركات الإسلامية إدراك وضع خاتمة للفصول السود لحقوق الإنسان في الوطن العربي وفتح آفاق الحريات والمواطنة بما في ذلك العدالة في السلطة والثروة.
من دون الاعتراف بالآخر تبقى الديمقراطية ناقصة وكذلك الإسلام.
ما لم يدرك رفقاء الثورات العربية الخطر الماثل فإن الثورة تبقى عرضة للاختطاف والانقضاض عليها. كلفة عدم اليقظة تستدعي بالضرورة ثورة من أجل انقاذ الثورة.