من الملاحظ في المد الثوري الجاري على الساحة العربية وجود قواسم مشتركة كثيرة في تطور الأحداث في معظم البلدان التي شهدت وتشهد هذا المد الثوري، حيث الانتفاضات الشعبية العشوائية السلمية بدون قيادات أيديولوجية، وتشابه الشعارات المرفوعة، وتشبث بالاستمرار في الميادين وعدم مغادرتها رغم سقوط ضحايا وشهداء، تصعيد تدريجي في المطالبات ابتداء بالإصلاحات ثم مقاومة الفساد ثم إقالة الفاسدين وصولا إلى إسقاط النظام.
أما على جانب الأنظمة الحاكمة فهناك أيضا تشابه وقواسم مشتركة واضحة، حيث القمع الأمني الشديد الذي إلى إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين وقتلهم، مع اتهامات لجهات خارجية وداخلية وتيارات دينية متطرفة ومشاغبين وبلطجية وغيرهم. وهناك قاسم مشترك ملفت للنظ.
وهو أن جميع الأنظمة مع أول بوادر الحراك الشعبي تبادر بالإعلان عن إصلاحات جذرية والاعتراف بالأخطاء وبالفساد المنتشر، وتبدأ بإطلاق الوعود بإصلاح الحياة السياسية والسماح بالأحزاب وحرية الرأي، وتبادر بالإفراج عن معتقلين، وتعد بإلغاء حالات الطوارئ طويلة العمر التي يزيد عمرها في بعض الأنظمة عن عمر الرئيس الحاكم نفسه.
هذه الوعود والتنازلات السريعة من الأنظمة الحاكمة هي اعتراف واضح بشرعية الحراك الشعبي ومطالب المتظاهرين، وتأكيد قاطع على فساد هذه الأنظمة، وتعكس في نفس الوقت ضعف ووهن هذه الأنظمة وخوفها الشديد ورعبها على مصيرها وعلى مصالحها الخاصة .
وعلى ثرواتها التي جمعتها من دماء هذه الشعوب، هذه الأنظمة التي طالما ذرعت الرعب والخوف والهلع في نفوس شعوبها بالوهم بأن بطشها شديد وأيديها طويلة وأجهزة استخباراتها تصل حتى إلى الأرحام في بطون أمهاتها، هذه الأنظمة التي لم تقو ولا مرة واحدة طيلة عقود طويلة على رفع صوتها على أعداء الأمة.
ولا على إسرائيل التي كانت تحلق طائراتها الحربية فوق قصور الحكام العرب ولا يجرؤون على فتح أفواههم، هذه الأنظمة لم تكن تمارس رجولتها وقوتها إلا على شعوبها المسكينة، ونجحت بالفعل لعقود طويلة في إيهام شعوبها أنها أنظمة لا تقهر ولا تستطيع أية قوة على الأرض تغييرها، ثم فجأة.
ومع أول بوادر الحراك الشعبي تبادر هذه الأنظمة الورقية الفاسدة مسرعة لتعلن عن إصلاحات كبيرة، ولو عقدنا مقارنة سريعة بين المظاهرات العربية والأوروبية، سنجد أن الحكومات الأوروبية تواجه أيضا مظاهرات مليونية، كما في لندن مطلع هذا الأسبوع.
وفي باريس في أكتوبر الماضي، لكن الحكومات هناك لا تتنازل ولا قيد أنملة عن مواقفها، وتنفض المظاهرات هناك دون أن تحقق شيئا، لكن عندنا الأمر يختلف تماما، والسبب طبعا معروف، فلا وجه للمقارنة بين أنظمة جاءت وسترحل بطريق ديمقراطي، وأنظمة بنيت على باطل وتشبثت بالحكم لعقود طويلة وعاثت في الأرض فسادا وقمعا.
المبادرات السريعة بالإصلاحات من قبل الأنظمة الحاكمة هي «خطأ تكتيكي فادح» لأنها تكسر حاجز الخوف لدى الشعب، وتكشف للمتظاهرين العُزٌل في الشوارع مدى ضعف ووهن هذه الأنظمة، مما يزيد من حماس المتظاهرين وتصميمهم، ويكسبهم المزيد من الحشود الجماهيرية الأخرى التي تبادر بسرعة للانضمام لهم، كما أن هذه المبادرات الإصلاحية السريعة المبكرة تدفع المتظاهرين إلى رفع سقف مطالبهم إلى الحد الأقصى، وهو إسقاط النظام.
لقد شاهدنا بن علي في تونس وهو يتوسل لشعبه بالوعود، وحسني مبارك في مصر الذي أبكى الكثيرين من كثرة وعوده وتنازلاته، وعلي صالح في اليمن الذي قدم كل التنازلات حتى لم يبق لديه شيء يقدمه، وبشار الأسد الذي أعلن الشهر الماضي أن ما حدث في تونس ومصر لا يمكن أن يحدث في سوريا.
وهاهو من أول يوم في «درعا» يخرج بمبادرات إصلاح لم يكن الشعب السوري يحلم حتى بخمسة في المئة منها، وربما يبرر صمود القذافي في ليبيا حتى الآن أنه لم يعط أية وعود ولم يقدم أية مبادرات إصلاحية، بل اتخذ أسلوب فرعون الذي أجل توبته حتى لحظة الموت.