منذ تمكَّن معمر القذافي من السلطةِ في بلادِه، قبل أَزيدَ من ‬40 عاما، وهو يشيعُ عن نفسِه سمْتاً ثورياً. وتوهَّمَ، طويلاً، أّنَّ مهمَّتَه أُمميةٌ في إِنقاذِ شعوبٍ في العالم، من أَنظمةٍ مرتهنةٍ للإمبرياليةِ تحكمُها، وظنَّ أَنَّه بإِغداقِه أَموالاً وأَسلحةً على مجموعاتٍ وعصاباتٍ وأَحزابٍ وقوىً سودانيةٍ ولبنانيةٍ وفلسطينيةٍ (مثلاً)، وفي صرفِهِ على متمردين وثوارٍ وإِرهابيين في الفلبين وإِيرلندا (مثلاً)، ظنَّ أَنَّه، في هذا وغيرِه، يُؤدّي دوراَ يُؤَهلُه له التاريخُ في تغييرِ العالم. ومن فرطِ ما تحكَّمت فيه هذه الخرافةُ الكاريكاتورية عن عظمتِه المدَّعاة، أَطلقَ على بلدِه التسميةَ إِيّاها، وصدَّقَ أَنَّه ملكُ ملوك إِفريقيا وعميدُ القادةِ العرب، ليس بقدمِ احتلالِه مقعدَه في ليبيا، بل، أَيضاً، لما نَسبَ إِلى طروحاتِه في غيرِ شأْنٍ من نباهةٍ، من قبيلِ فكرةِ «دولةِ إِسراطين» التي اعتبرَها حلاً للقضيّةِ الفلسطينية، وطردِه الفلسطينيين العاملين في ليبيا إِلى صحراءَ حدوديةٍ مع مصر، فمكثوا شهوراً مع السحالي هناك.

واعتبارِه جريمتَه تلك وسيلةَ ضغطٍ على العالم لإِعادتِهم إِلى وطنِهم المحتل. حدثَ ذلك في وقتِ تبرُّعِه لمجموعةِ «أُمة الإِسلام» الأَميركيةِ بملايين الدولارات ليبنوا مساكنَ لهم. وتعصى على العدِّ هنا الحماقاتُ التي قارفًها ضد الفلسطينيين (مثلاً)، ومنها دعوتُه غيرُ المنسيَّةِ لهم في أَثناءِ تصدّيهم لاجتياح بيروت الإِسرائيليِّ في صيف ‬1982، إِلى الانتحار. وليس في الأَرشيفِ الوفير لهذا الرجل ما يُؤَشِّر إِلى أُمثولةٍ طيِّبةٍ نفعت العرب، والفلسطينيون منهم، بل تفيضُ فيه رداءاتٌ وكوارثُ كثيرة، منها الهبَّاتُ الوحدويةُ الهزليةُ التي اندفع فيها مع غيرِ بلدٍ عربيٍّ، والتسلّي بتفجيرِ طائراتٍ ثم دفعُ تعويضاتٍ ملياريةٍ لينجو من محاكماتٍ واجبة.

واحدةٌ من خيباتِ القذافي غيرِ القليلة، أَنَّ قواتِه تقدَّمت في ‬1973 لانتزاعِ شريط أُوزو الحدودي، الغني باليورانيوم والفوسفات، من تشاد، واعتبره جزءاً من ليبيا، وأَعقبت ذلك حروبٌ ومواجهاتٌ سقطَ فيها آلافُ القتلى والضحايا. وتوهَّم أَنَّ في وسعِه إِنشاء حزامٍ عربيٍّ على امتداد إِفريقيا الساحلية، ولذلك دعمَ بالسلاحِ والمال جبهةً تشادية من قبائل الشمال، تناوئُ جنوبيي بلادِها وتعادي الفرنسيين. وفي ‬1979 وقعت حربٌ أَهليةٌ طاحنةُ في هذا البلد، تمكَّن في أَثنائِها أُولئك الشماليون من إِطاحة الحكم الذي هيمنَ عليه الجنوبيون، وسيطروا على العاصمة انجامينا. وزها القذافي في حينِه بالانتصار، وتحالفَ مع قيايين تشاديين ساندَهم طويلاً، أَزاحوا المقاتل الشماليَّ القديم حسين حبري عن السلطة، وكان هذا مدعوماً من أَميركا وأَنور السادات وجعفر نميري، وأَعلن القذافي في ‬1981 وحدةً بين ليبيا وتشاد(!). عادَ حبري بعد عامٍ من الخارج.

وسيطرت قواتُه على العاصمةِ، وصارَ رئيساً قوياً. وبدعمٍ أَميركيٍّ، أَنزلَ ضرباتٍ موجعةً بالقواتِ الليبية في بلادِه، واستولت قواتُه على مواقعَ وقواعدَ أَقامها جيشُ القذافي في الشمال، واستردَّت شريط أُوزو، وغزت أَراضي ليبيةً دمَّرت فيها قاعدةً عسكريةً كبرى، وقضت على أُسطولٍ جويٍّ كاملٍ هناك. وفي محاولةٍ بائسةٍ للتعميةِ على هزيمتِه المذلَّةِ، أَشاعَ معمر القذافي أَنَّ خروجَ قواتِه من تشاد «هديةً إِلى إِفريقيا». ولاحقاً، في ‬1994، قضت محكمةُ العدل الدولية بأَحقيّةِ تشاد في الشريط، وكان القذافي قد ارتضى إِحالةَ النزاع الحدوديَّ إِليها.

ليس منسياً في تلك المحطة في سيرة القذافي، أَنَّه استقدمَ مقاتلين من قوىً وجبهاتٍ فلسطينيةٍ ولبنانيةٍ لمعاونتِهِ في الذَّودِ عن حياضِ أُوزو. ولأَن العقيدَ شغوفٌ عتيقٌ بالمرتزقة، لا ندري إِنْ كانت هذه صفة أُولئك، وقد أَرسلتهم زعاماتُهم إلى تلك الأرض البلقع في تشاد، تسديداً لواحدةٍ من فواتيرَ كان عليهم دفعُها لزعيمِ الجماهيرية، لسخائِهِ في عونِهم. ومما يحسنُ أَنْ لا ننساه، أَنَّ واقعة أُوزو كانت واحدةً من ملاحم القذافي المفضوحة، شاركته فيها، ببلاهةٍ، قوى فلسطينيةٌ، تأَكَّد لاحقاً أَنَّها بائِسة، وأَنَّ تقدميّتَها وثوريّتَها منقوصتان.