على قدر ما بدأت الثورات العربية مفجرة للفرح، على قدر ما تثير فصولها الأخيرة الحزن أو على الأقل ـ القلق. نعم النهوض الشعبي مثير للغبطة والأمل في جسد الأمة المترهل بالخمول عقوداً عديدة. إذا المباغتة والتلقائية تشكلان مصدري دهشة فان الإصرار العارم على الإطاحة بالنظام هو جوهر الافتنان.

صحيح لعبت ثورة التكنولوجيا والمعلومات دوراً حيوياً لا يمكن انكاره في الاستنفار والاستقطاب الجماهيري. مع ذلك فإن تضخيم هذا الدور على حساب الوعي الجماهيري بحتمية تغيير واقع بئيس يجافي المنطق وينسجم مع رؤى الأنظمة المستبدة تجاه شعوبها.

في العام ‬1848 اجتاحت ثورة مماثلة أوروبا من صقلية إلى باريس فبرلين ثم فيينا إلى بودابست في غضون أسابيع في غياب شبكة الهاتف، دع عنك الشبكة العنكبوتية. كذلك لم تنتشر الثورة في شرق أوروبا في نهاية ثمانينات القرن الأخير عبر التكنولوجيا. الثورات تندلع اثر أحداث دراماتيكية على غرار حادث التونسي البوعزيزي الذي قدم نفسه قربانا لثورة الياسمين أو احتجاز صبية درعا حيث اشتعل الشام. غير ان مثل هذه الأحداث تأتي على ركام من الاحباطات الشعبية الناجم عن الاستبداد والفساد والتضخم الاقتصادي وتطلعات الشعوب في غد أفضل. القيادات المتحصنة بالجدران الأمنية أخذتها العزة بالاثم والإسراف في تهميش الشعوب على نحو لم تراود الثورات خيالاتها. لهذا عندما احتشدت الجماهير في الساحات العامة لم يستبن القادة حقيقة ما يجري.

كلهم استعادوا تجربة لويس السادس عشر عندما سأل عما. اذا كان في باريس في العام ‬1789 مظاهرة؟ عندئذ كان كاتم أسراره لوروشفوكو لياتكور أكثر مصداقية ووفاء من أقرب معاوني القيادات المعاصرة إذ كاشفه بالحقيقة قائلاً إنها الثورة.

عوضاً عن رؤية شاملة للمشهد ونافذة فيه استغرقت القيادات في الانكفاء وراء الحصانات الأمنية. هكذا تسمع القاهرة ليست تونس. اليمن ليس مصر. بينما تسري روح الصورة عبر الحدود تتبادل العواصم العبارة ذاتها.

القيادات الثورية نفسها تعجز أحياناً عن التنبؤ باندلاع الثورات. لينين لم يكن يتوقع حدوث الثورة عندما أطاح الجياع بنيكولا الثاني في العام ‬1917. حين يحدث ما يسمى في أدبيات رفاق لينين بنضوج الظروف الموضوعية يصعب سحق الثورة. الضحايا والخسائر تعتمد على شهوة التوغل في الدم من قبل الرئيس أو غالباً رجاله. نجاح الثورات الشعبية يتطلب وجود زعامات ذات كاريزما ملهمة. ذلك كان حال لينين في روسيا. عبدالناصر في مصر. والخميني في إيران ومانديلا في جنوب افريقيا بغض النظر عن مواقعنا من هؤلاء. غياب مثل هذه الرموز يلقي ظلال الغموض على ثورة الياسمين في تونس ومخاوف الثورة المضادة في مصر. وبالشكوك على مصير الثورة في ليبيا والخوف إزاء ما تؤول إليه الأمور في اليمن.

ربما يرى التونسيون والمصريون في الإطاحة بالنظام القديم انجازاً يستوجب الاحتفاء وكل ما يأتي بعده هو الأفضل بغض النظر عن ماهيته. كلا الشعبين محق في ما يرى لكن ما يستأهل التقدير حقاً هو أسلوب الإطاحة بالنظامين.

المآلات الأخيرة للثورات ليست بهية كالمنطلقات. الثورة في تونس كما في مصر اتخذت من الثكنة العسكرية ملاذاً آمناً. اذا اسند الشباب الثائر ظهورهم إلى رئاسة الأركان إبان عجلة الإطاحة بالنظام الفاسد، فلا توجد ضمانات على استعداد الجنرالات للمضي مع الشباب إلى غايات أحلامهم. الحديث عن الثورة المضادة يعلو ويتصاعد في تونس ومصر. الانقضاض على مسيرة التقدم لم يعد احتمالاً هشاً. اختطاف الثورة من قبل مقامر من داخل الثكنة العسكرية أو حتى معسكر الثورة بات تهديداً مرجحاً. مصير الثوار الليبيين لايزال في مرمى نار كتائب القذافي. المشهد الليبي المحموم بتبادل القصف العشوائي والجثث والآليات المتفحمة لا يحرض على التفاؤل. القلق يخيم فوق اليمن خوفاً من ان يفضي الانقسام الحاد بين النظام والمعارضة إلى انزلاق الوطن بأسره إلى هاوية التشرذم. هكذا تبدو المآلات غير مثيرة للفرح كالبدايات الجماهيرية الناهضة. ربما نحتاج لثورات من أجل انقاذ الثورات.