ما يحدث في العالم الآن من ثورات شعبية، انطلقت في العالم العربي، وبدأت تظهر تداعياتها في أماكن أخرى من العالم، يمكن أن نطلق عليه اسم «المد الثوري الثالث». فقد شهد العالم على مدى قرن مضى، المرحلتين الأولى والثانية في التاريخ البشري من المد الثوري الذي شمل شعوباً ودولاً عدة، حيث مهدت الحرب العالمية الأولى لظهور المد الثوري الشيوعي والاشتراكي في العالم، والذي أنجب ثورات كبيرة، وزعزع أركان الامبراطوريات العالمية التي سادت قروناً طويلة، وجاءت الحرب العالمية الثانية كضربة قاضية لهذه الامبراطوريات.
حيث ساد العالم بعدها مد ثوري تحرري من الشرق إلى الغرب. الآن يبدو أن العالم يشهد مؤشرات موجة ثالثة من المد الثوري التحرري، الذي يبدو في شكله العام أن الهدف منه هو التخلص من أنظمةحكم استبدادية وقمعية فاسدة. البعض يعتقد بأن انتحار الشاب التونسي «بوعزيزي» الذي أحرق نفسه، هو الذي فجّر أو حرك هذا المد الثوري الجديد، وهذا ليس صحيحاً بالطبع، بل هو مجرد حادث أطلق إشارة البدء للزحف، بالضبط مثل حادث اغتيال ولي عهد النمسا وزوجته من قبل طالب صربي أثناء زيارتهما لسراييفو عام 1914، الذي أشعل الحرب العالمية الأولى. هناك في العديد من دول العالم، براكين كامنة، تغلي في داخلها.
وتنتظر لحظة الانفجار، وإلا كيف نفسر انتقال المد الثوري والحراك الشعبي بهذه السرعة من بلد إلى آخر، وخروجه الوشيك من منطقة الشرق الأوسط إلى الصين ووسط آسيا ودول أوروبية بدأ فيها الحراك الشعبي يظهر؟ وقد شهدت كبرى دول أوروبا هذا الحراك قبل الثورتين التونسية والمصرية بأشهر قليلة، وسجلت العاصمة الفرنسية باريس السبق قبل القاهرة في المظاهرات المليونية في أكتوبر الماضي، وما زالت الأمور مضطربة في أوروبا.
من المؤكد أن هذا المد الثوري الشعبي الجديد لم يأتِ فجأة، بل هناك عوامل أساسية حركت التراكمات وفجرت الشوارع، ولو رجعنا قليلاً للوراء سنجد أن العالم تعرض خلال العقدين الماضيين لأحداث وتطورات، لا تقل حجماً وتأثيراً عن الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين تسببتا في مرحلتي المد الثوري السابقتين. ومن أهم هذه العوامل؛ الاختلال الواضح في موازين القوى الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وهيمنة القطب الأوحد الأميركي، الأمر الذي أدى بالتبعية إلى استفحال وتوحش الامبريالية والرأسمالية العالمية بشكل غير مسبوق في التاريخ، وهو ما فتح شهية رموز هذه الرأسمالية الامبريالية.
وعلى رأسهم اليمين المحافظ في الولايات المتحدة وبريطانيا، إلى المزيد من الثروات والمكاسب، مما دفعهم للتفكير في تحريك الآلة العسكرية عبر المحيطات. وجاءت أحداث 11 سبتمبر عام 2001 «الغامضة» لتعطي الضوء الأخضر لتحريك الآلة العسكرية تحت شعار مكافحة الإرهاب الدولي، واستمر اليمين المحافظ في سياسته هذه التي أرهقت الولايات المتحدة وأغرقتها في الديون، مما أدى إلى انفجار الأزمة المالية العالمية التي أصابت تداعياتها جميع دول وشعوب العالم، هذه الأزمة التي زادت الفقراء فقراً وكبتاً، والأغنياء ثراء وفساداً وقمعاً، وأصبحنا نسمع عن دول يعيش أكثر من نصف سكانها تحت خط الفقر بحكام وأفراد يملكون المليارات!
هكذا جاء الحراك الشعبي الثوري الحالي نتاج تطور تاريخي، ومن الواضح أنه من الصعب إيقافه، لأنه حراك جماهيري شعبي تقوده الجماهير الغفيرة وليس القادة والإيديولوجيات، وهذا الشكل الجديد لا تعرفه الأنظمة الحاكمة، ولا تستطيع صده أو إيقافه، أو حتى التعامل معه، وسوف يستمر وينتشر مدعوماً بتكنولوجيا الاتصالات الحديثة، حتى يحدث تغييرات جذرية في بلدان كثيرة، وسوف يغير خريطة العالم السياسية، وربما الجغرافية، مثلما حدث بعد الحربين العالميتين. هذا المد الثوري الثالث مستمر وممتد لفترة طويلة مقبلة، ربما لأعوام، وكما كانت القيادات والأنظمة الثورية تقتدي ببعضها البعض في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، فإن الشعوب تقتدي ببعضها البعض في المد الثوري الحالي.