كما ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان فليس من أجل لقمة العيش وحدها تثور شعوب عربية على أنظمتها. الضغوط المادية اليومية أفرزت موجة عالية في التسونامي العربي غير أن الشعوب لم تستهدف فقط كسر الضائقة الحياتية المعيشة.

الانسداد الاقتصادي بتضاعيف البطالة والفقر والبؤس والتضخم يشكل وقوداً وزيتاً في الحريق العربي. مع ذلك فإن إعادة الحراك الجماهيري المثير للتباهي والافتتان إلى المنطلق الاقتصادي وحده تعكس ضيقاً في الرؤى.

مثلما توجد قواسم مادية مشتركة في الثورات العربية يمكن الاتفاق دونما جدل مطول على غلبة منظومة أخلاقية في الحراك الجماهيري الصلب والعنيد.

كل الشعوب الثائرة قاست وطأة أنظمة فاسدة مستبدة تتسم في الوقت نفسه بالقصور السياسي والعجز الاقتصادي. غير مجاف للتاريخ القول كذلك ان الفساد مثل الاستبداد ليس سمة طارئة على النظام العربي. المستحدث المفرز في الأنظمة المعاصرة هو اختطاف الدولة من قبل فئة ـ أسرة ـ على نحو غير مشروع احتكرت على إثره أقدار العباد ومصير البلاد.

تكدس الإحباط الناجم عن الاخفاق الاقتصادي ومصادرة حقوق الشعب في التعبير والتنظيم ولد قدراً من التحدي المفضي إلى استرداد الحقوق المصادرة. بوعزيزي لم يضرم النار في جسده يأساً من الحصول على كسرة الخبز بل احتجاجاً على كرامته المهدرة على الرصيف.

على قدر ما تستهدف الجماهير الثائرة استبدال واقع البؤس والتردي وخلع مظلات الاستبداد والفساد على قدر ما تمردت على صمتها إزاء استئثار شريحة ضيقة بالسلطة والثروة.

مثل هذا الانجاز يتحقق فقط عبر قيمة أخلاقية عالية تتمثل في الجرأة وكسر حاجز الخوف.

القيمة الأخلاقية الأعلى في الحراك الجماهيري تتجسد في نزع طوق الخلاص الفردي وتكريس العمل الجماعي. الشعوب الثائرة لم تكتف بتحطيم مصدات القمع حيث تحدت الأنظمة بل ذهبت إلى التضحية والفداء فقدمت قرابين للحرية والانعتاق.الصدام العنيد للأنظمة ورفض المساومة على الأهداف قيمة تزداد تجلية مع اتساع رقعة الثورات وتصاعدها.

الشعب التونسي قدم أنموذجاً جاذباً في الإصرار على الذهاب حد بلوغ الغايات.

الشعب المصري نسج منظومة من القيم الاجتماعية في ميدان التحرير. الليبيون يمتشقون قوة الإرادة في مواجهة كتائب القذافي. اليمنيون كسروا صورة الشعب المخدر في قيلولة القات إلى نهوض مشرب بالدم من أجل صناعة المستقبل. الشعب العربي الأكثر امتلاكاً للسلاح يصر على مقاومة رصاص النظام سلماً.

كل الطغاة الصغار المتعاقبين في المنطقة ربما أسندوا ظهورهم إلى ظل عبدالناصر. نظام ذلك الزعيم التاريخي لم يكن ديمقراطياً كما لم يكن حافلاً بالرخاء. قيمة عبدالناصر الأخلاقية تنعكس في نقائه وعفته وأبعاد أسرته وعشيرته عن محاور السلطة ومراكز الثروة.

كل الطغاة الصغار المستهدفين من قبل شعوبهم احالوا الوطن إلى ملكية خاصة بمعنى استئثارهم بها حد التوريث.

أي إصلاح سياسي أو اقتصادي ممكن لم يكن كفيلاً بتأجيل الانفجار العربي. هذا بالضبط ما جعل أجندة الاصلاح المطروحة على عجل في خضم الثورات مسألة خارج القبول الجماهيري. ثمة قناعة شعبية تتصاعد بضرورة استبدال تلك الأنظمة لا إصلاحها. هذه القيمة الأخلاقية الأكثر بريقاً في الحراك العربي.

أكثر من زعيم مخلوع أو مستهدف اتاحت له الظروف مخرجاً مشرفاً لكن أحداً منهم لم يتعلم مهارة الإصغاء للتاريخ. لا أحد منهم يحرص على تقديم قيمة أخلاقية باهرة مثل حرصه على الاستئثار بالسلطة والثروة.