كنت، ولا أزال، من المؤمنين بنظرية المؤامرة، ودائما أضع احتمال المؤامرة نصب عيني عند تناولي بالتحليل لأي أمر من الأمور المحلية والإقليمية والدولية، وذلك إيمانا مني بدور وأهمية التآمر كوسيلة لتحقيق المصالح الخاصة، وأعتقد أن أي عربي بشكل عام يغفل عن عنصر المؤامرة .

ويرفض التعامل معه، لا يمكن له أن يصل في تحليلاته ورؤاه إلى نتائج صحيحة، وذلك بحكم أن منطقتنا العربية كانت وما زالت وستظل محل مؤامرات وصراعات دائمة بين القوى الدولية. مصطلح نظرية المؤامرة وجد رواجا كبيرا في منطقتنا العربية بعد هذه الأحداث، وكان هذا على ما يبدو أمرا متعمدا حتى نتوقف عن النظر للولايات المتحدة وحلفائها على أنهم متآمرون علينا، وحتى نقبل أن كل ما يفعلونه أمر مشروع من أجل مكافحة الإرهاب وتحقيق الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان. والغريب أن البعض اقتنع بهذا، على الرغم من اعترافات كبار المسؤولين الأميركيين بالكذب وإخفاء الحقائق!

لقد أحدثت ثورة الشباب في مصر تغييرات جذرية في الموازين وفي المفاهيم، حتى أن المراقبين والمحللين يقولون عن حق، إن ثورة تونس كانت الشرارة والثورة المصرية كانت الزلزال الكبير الذي حرك الشارع العربي كله، وامتدت تداعياته أيضا إلى شوارع وشعوب الدول الأخرى في أنحاء مختلفة من العالم.

لاشك أن أعداء الثورة المصرية كثيرون، والرافضين لها أيضا كثر، سواء داخل مصر أو خارجها، وعلى رأسهم المتضررون من هذه الثورة من أصحاب المال والنفوذ وأتباعهم، ومنهم أيضا فئة أخرى من المتهمين بالعداء للثورة، من الذين هاجموها وانتقدوها بشدة، أو من رجال الأمن الذين أفرطوا في تنفيذ الأوامر باستخدام العنف ضد الثوار، وهناك أيضا فئة المتشائمين الذين لا يتوقعون أي خير من وراء هذه الثورة، ويتوقعون الفوضى والانهيار في المجتمع.

بعض هؤلاء يشكلون الآن ما يسمى بالثورة المضادة، ويجتهدون في استغلال ظروف عدم الاستقرار واضطراب الأمن، لتشويه صورة الثورة والإساءة لسمعتها. ومن الأساليب التي تستخدمها هذه الثورة المضادة وتروج لها في وسائل الإعلام وعلى الشبكة العنكبوتية، محاولات الإيحاء بوجود مؤامرة خارجية وراء ثورة الشباب.

وبينما كان نظام الرئيس المخلوع مبارك يتهم الثورة بأن وراءها إيران وحماس وحزب الله وغيرهم، نجد الآن أنصار المؤامرة الخارجية يقولون بأن ما حدث في مصر هو مخطط أميركي صهيوني خفي يسعى إلى إضعاف مصر وتفتيت وحدتها الوطنية، وأن القائمين بالثورة من الشباب توجههم عناصر تعمل لحساب جهات أجنبية تسعى إلى تحويل مصر إلى عراق آخر مفتت.. مثل هذه الأقاويل تعكس الفكر السطحي المتخلف لنظرية المؤامرة، هذا الفكر الذي يحاول أن يكرس في الإنسان المصري والعربي الإحساس بالقزمية والضعف وعدم القدرة على التغيير، أصحاب هذا الفكر المتخلف، مثلهم مثل الأنظمة الحاكمة المستبدة التي أسقطتها الثورات، لا يؤمنون بقدرات الشعوب على صناعة المعجزات.

ما حدث في مصر نموذج رائع ومتكامل للثورة الاجتماعية، وهو النوع من الثورات الذي يصعب فيه تماما، بل ربما يستحيل أن تلعب المؤامرات الداخلية أو الخارجية ألاعيبها، مهما بلغت حالات الفوضى والاضطرابات. إنهم يشيعون أن هناك مؤامرة بين قيادات الجيش والنظام السابق أو بعض عناصره، وأن واشنطن وتل أبيب طرف في هذه المؤامرة بهدف امتصاص حماس الثورة وتجاوز المرحلة، ثم عودة النظام السابق بوجوه جديدة مقبولة بعد التخلص من الوجوه المفضوحة.

هذا التصور الساذج والمعيب يصادر عقول الشعب المصري وقدراته، ويتناسى أصحاب هذا التصور أن ميدان التحرير موجود ومفتوح دائما، وأن الشعب المصري تعلم ثقافة الميادين وبات على وشك إدمانها، وأنه لو شعر بأي خيانة أو غدر ممن وثق فيهم وسلمهم زمام أموره، فسوف يهب هبة شرسة ومدمرة، وعندها قطعا ستضيع حياة ومصالح كل من تآمر على هذا الشعب من الداخل أو الخارج.