كما ليبيا ليست مصر أو تونس، فإن الشعب الليبي يكتب بالدم سيرة اكتشاف طاقاته على طريق صناعة الثورة. الشعب التونسي باغت الأمة بأسرها وهو يسك شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، في زخم جماهيري تلقائي يتصاعد حتى بلوغ غايته.

قدرة التونسيين على الإطاحة بنظام بوليسي في غضون ثوران قصير الأمد، أيقظت جذوة الثورة في كل الشعوب العربية الواقعة في قبضة الاستبداد والفساد. المسكوكة الثورية، والنصر المباغت، إبداعان تونسيان خالصان ملهمان.

الشعب المصري تجاوز إبداع التونسيين، فباغتنا على طريقته. مفاجأة المصريين لا تتمثل في كسر ترسانة القمع، والثبات في الميدان حتى تحقيق الغايات. المباغتة المصرية الأكثر تفرداً تتجسد في الانضباط الجماهيري التلقائي المشرب بالوعي. عندما سقطت هيبة الدولة عمداً من قبل زبانية النظام، نهض الشعب ببناء أسيجة الأمن حول المنشآت والأحياء. على نقيض السيناريوهات المقروءة والمرئية المحتفى بها ضمن بشارات الثورة، لم يتقصد الهابطون من العشوائيات الأحياء الراقية. كما تجاوبت مدن تونس مع ريفه على إيقاع الثورة، التهب تمرد مدائن مصر على نواطيرها حتى اكتملت تميمة «الشعب يريد تغيير النظام».

الشعب الليبي يتجاوز إنجاز المصريين والتونسيين. أحفاد المختار يفاجئوننا بقدرات مهولة، تتجاوز الثورة إلى الصمود تحت النار. هنا روح ثورية ضارية لا تقبل النكوص أو الانكسار، وتتقبل حمم القذائف الجوية والبرية والبحرية. الشعب الليبي فاجأ ملك ملوك إفريقيا وشعوبها برفض المساومة على تغيير النظام.

ليبيا ليست مصر أو تونس، فلكل شعب مفرداته الثورية. في الحالات الثلاث تواجه الشعوب أنظمة مفرطة في الاستبداد والفساد. كما تشابكت أيادي أبناء وبنات تونس من الريف والمدن على كل المدارات الاجتماعية، عبر المصريون حاجز الطائفية البغيضة. كذلك كسر الليبيون معازل القبليات الضيقة. اليمنيون يهجرون مضارب القبيلة إلى ميادين الوطن. أحد ملامح الإبداعات اليمنية قيد التبلور في الساحات المفتوحة يتمظهر في المخيمات المسمنة بالمحتجين يومياً حتى استبدال النظام.

الثورة العربية تفتح آفاق العمل المشترك أمام الشعوب من أجل صناعة المستقبل بروح ديمقراطية. البركان الجماهيري لم يهز الأنظمة القطرية وحدها. روح الثورة طالت بيت الأمة. للمرة الأولى تخرج الجامعة العربية عن قوقعتها الرسمية، فتنحاز ـ ولو على حياء ـ لمصالح شعب ضد نظامه. الثورة العربية كتبت بدماء شبابها بلاغاً ينهي ـ على نحو حاسم ونهائي ـ أسلحة البطش في ترويض الجماهير. عنف الدولة لا يزيد الشعوب إلا عنفواناً، حتى إذا مرقت أسلحة الأنظمة حد الإبادة الجماعية أو ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. تداعيات الزلزال العربي طالت العواصم الغربية صانعة القرارات الكبرى. باراك أوباما لم يتردد في الاصطفاف إلى جانب الجماهير المصرية. تلكؤ الإدارة الأميركية إزاء ثوار ليبيا الصامدين تحت حمم الجو والبحر والبر مصدره كذلك الثورات العربية. أصوات أميركية تصاعدت ناقدة باراك باعتباره ذهب مصرياً إلى أبعد مما يجب. جمهوريون وديمقراطيون قالوا إن الرجل الأسمر وضع مصالح أميركا تحت أقدام جماهير ميدان التحرير. كما العادة تحرك اللوبي الصهيوني محذراً من مغبة مجاراة الحريق العربي. واشنطن لم تعد تدرك اتجاهات الرياح العربية الجديدة.

تحت هذا الضغط، بدأت الإدارة الأميركية تحض الثوار على التخلي عن شعار «الشعب يريد تغيير النظام»، وانتهاج الحوار من أجل إصلاح النظام. الشعوب العربية ذهبت أبعد من الاهتداء بنصائح الآخرين، إذ قررت أخذ مصيرها بيدها. بما أن لكل حالة خصوصيتها، فإن كل شعب قادر على استنباط مفرداته. تتباين الظروف، غير أن الاستبداد مثل الفساد واحد. صناعة التاريخ الجديد في جغرافيا التخلف مهمة واحدة فقط تتباين آلياتها حسب إبداعات الشعوب وظروفها.

الليبيون غادروا جغرافيا الجماهيرية العظمى دون رجعة. ربما يطول المشوار أو يكون باهظاً لكن الليبيين عقدوا الدم على صناعة المستقبل بروح ديمقراطية.

ليبيا لن تكون مصدر الإبداع الثوري العربي الأخير.