لا يختلف اثنان على أنّ التركيبة السياسية اللبنانية معقدة لا بل مشرذمة والجدل في أصغر المواضيع يفتح نقاشًا واسع الأبعاد، عميق المضمون مقدّمته قويّة وفي أغلب الأحيان ضعيف الخاتمة. مشهد سقوط الحكومة وانقسام الفريق السياسي اللبناني بين معارض وموال ليس جديدًا، والمشاورات وطرح اسم وزير من هنا وإسم وزير من هناك لتشكيل حكومة جديدة أمر لا بد منه. لكن مخطئ من يعتقد أن الخلاف على تشكيل الحكومة الحاليّة في لبنان، وسبب تعثّر ولادتها هو الاختلاف على عدد الوزارات والحصص أو نوعيّتها بين سياديّة وثانويّة. العائق الرئيسي بل المشكلة الأساسيّة هي السياسة العامّة وعدم الاتفاق على النهج العام للحكومة.
لابدّ أن ندرك أن الخلاف الداخلي في لبنان قائم على فكرة محوريّة تتشعّب لتشمل عدّة مواضيع أساسيّة وهي:
بقاء المحكمة الدولية المختصة بلبنان وتحديدًا بمقتل الرئيس رفيق الحريري وذلك للكشف عن القتلى كما يقولون، هذا الرأي الذي يتناقض مع رأي الفريق الآخر الذّي يعتقد أنّها محكمة سياسية بامتياز مموّلة من خزينة الدولة وأموال الشعب وليست محكمة لمقاضاة القتلى ونتيجتها محسومة بصدور قرار اتهامي بحق المقاومة اللبنانية لقلب الرأي العام الدولي عليها ونزع سلاحها خدمة لتحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد الّذي تريده قوى الاستعمار وإسرائيل، مفككًا ضعيفًا ومهزومًا. كل ذلك لإعاقة حركة الشعوب في تحقيق مصالحها السياسية الوطنية والاجتماعيّة ولخلق الفتنة بين السنة والشيعة لا بل بين المسيحيين أنفسهم، والأمثلة كثيرة ليس في لبنان فقط.
وبين محارب ومدافع عن هذه الفكرة يجد الشعب اللبناني نفسه أمام المجهول مجدّدًا ومهدّدًا بالفتنة وزعزعة السلم الأهلي والوحدة. لن أقول من المسؤول؟ الخطاب السياسي من أي فريق كان لم يتحسّن ولم يدخل نطاق يجعلنا نؤمن أنّنا أمام لبنان جديد، لبنان النهضة، لبنان المصداقيّة، لبنان الخزينة التي تحفظ مال الشعب، لبنان فرص الأعمال، لبنان التعايش والوفاق الوطني، لبنان الانصهار المذهبي والطائفي، لبنان اللون الواحد لا الأحمر ولا الأزرق ولا البرتقالي، لبنان ولبنان... حان الوقت أن نفهم المستقبل القريب فنحن نسير إلى عصر نهضة بعد الانحطاط الذي نمنا فيه نومة أهل الكهف منذ الحرب العالمية الأولى ومعاهدة سايكس بيكو التي قسمت المنطقة على أساس مذهبي وطائفي.
إذا كان الشعب في الأنظمة الديكتاتورية تمرد على الفساد وصرخ وأوصل صوته إلى العالم ونذف دمًا من أجل الحرية والعيش الكريم والسلام وأسقط النظام والأمثلة كثيرة من تونس إلى مصر... فما الحل في جمهورية ديمقراطية مثل لبنان بامتياز فيها 18 طائفة ومذهب وأكثر من 40 حزبًا؟ لابد أن الحل ليس بالأمر السهل فثورة الشعب هنا ستكون ثورات ضمن ثورة. ومن المؤكد أن التسميات الزائفة المتغيّرة ليست الحلّ، اليوم 8 آذار وغدًا 14 آذار، اليوم معارضة وغدًا موالاة. ما الحلّ إذًا؟ حكومة تكنوقراط ممكن، تفرد فئة واحدة في الحكم غير ممكن، تقليل عدد الوزراء في الحكومة لإرضاء جميع الأطراف ممكن، التخلّي عن التوريث السياسي ممكن وغير ممكن.
وبين الممكن والغير ممكن نأمل أن يكون صوت آذان المساجد وأجراس الكنائس في ساحة التحرير في مصر إضافة إلى أصوات غضب الشعب في ليبيا واليمن وغيرهما قد أوصل الرسالة الصحيحة إلى الزعماء اللبنانيين، وجعلهم يؤمنوا أنّ حركة الشعوب ستنتصر أخيرًا ولن تستطيع أن تقف أمامها أي جهة. يقول الزعيم والفيلسوف اللبناني أنطون سعادة والذي راهن على وعي الشعوب «إن فيكم قوة لو فعلت لغيرت وجه التاريخ»، وهذا التاريخ بدأ وسوف يتغير بالانتفاضة والوعي والانتصار على الفساد المتفشي داخل بعض الأنظمة العربية. على أمل أن تكون الخاتمة قويّة هذه المرّة وتتشكل الحكومة وتكون حكومة قرار، فاللبناني بحاجة إلى هذا القرار المصنوع داخل وطنه والقادر على قمع أي مؤامرة تخريب وتدمير تحاك ضده.
كاتبة لبنانيّة