لماذا كل هذه الثورة العارمة في مصر ضد جهاز أمن الدولة؟
لا يعرف الإجابة على هذا السؤال إلا من تعامل بشكل مباشر مع هذا الجهاز، وقد تعاملت معه كثيرا أثناء دراستي الجامعية وما بعدها. لكن تجربتي المرعبة مع هذا الجهاز كانت أثناء دراستي للدكتوراه في روسيا، حيث كنت في كل مرة أزور فيها مصر أخضع في مطار القاهرة لإجراءات تفتيش دقيقة ومهينة، واحتجاز في مكتب الأمن لساعات طويلة، أحيانا تصل إلى خمس أو ست ساعات. كانت هذه الإجراءات تجعلني أكره السفر إلى مصر، ولا أشعر بالشوق إليها، ولا أسافر إليها إلا مضطرا، خاصة وأنني لم أكن أمارس أي نشاط سياسي في الخارج.
وفي أغسطس عام 1989 وصلت إلى مطار القاهرة قادما من موسكو، وتوقعت أن تتخذ معي نفس الإجراءات لساعات معدودة، وكان ينتظرني في الخارج شقيقي الذي اعتاد على انتظاري لساعات طويلة، ووصلت الطائرة الساعة الثامنة مساء، وفوجئت بتحويلي مع حقائبي مباشرة إلى مكتب الأمن، حيث طلب مني الضابط الجلوس على دكة خشبية في الممر، وطال انتظاري حتى منتصف الليل. ولما أخبرت الضابط بأن أخي ينتظرني في الخارج، تلطف وسمح له بإحضار طعام وشراب لي والجلوس معي بعض الوقت، وظللت جالسا مكاني حتى الثانية عشرة ظهر اليوم التالي.
حيث جاءت سيارة خاصة من مباحث أمن الدولة لتأخذني من المطار إلى وزارة الداخلية وسط القاهرة، وهناك فوجئت بأربعة من ضباط أمن الدولة، لم أعرف رتبهم من ملابسهم العادية، يجرون تحقيقا معي لم أواجه تحقيقا مثله في حياتي. كانت كل أسئلتهم تدور حول اتهامي بعلاقات بتنظيم غاية في الخطورة كان مقبوضا على قادته عام 1988.
وهو تنظيم «ثورة مصر»، وكان أعضاء التنظيم متهمين باغتيال شخصيات دبلوماسية أميركية وإسرائيلية ويواجهون أحكاما بالإعدام، وكان المهندس خالد نجل الزعيم الراحل جمال عبد الناصر متهما في هذا التنظيم، وكان مقيماً آنذاك في بلغراد عاصمة يوغسلافيا، وفوجئت بأن المحققين معي على قناعة غريبة بأنني زرت خالد عبد الناصر في بلغراد، رغم أنني لم أتشرف بلقاء المهندس خالد عبد الناصر في حياتي.
والحقيقة أنني بقدر ما أصابني الرعب والهلع من هول التهمة، بقدر ما أصابتني حالة من الاندهاش الذي اختلط بشيء من السخرية والاستهزاء بهم وباتهامهم لي، وتذكرت أثناء التحقيق أن أحد المصريين الدارسين معنا في موسكو، والمعروف عنه أنه على صلة بأجهزة الأمن، كان قد عرض على بالفعل السفر إلى بلغراد للقاء خالد عبد الناصر هناك ومواساته في محنته، وكنت مندهشا كثيرا من هذا العرض والفكرة الجنونية من زميلنا هذا الذي أعلم جيدا أنه يتعامل مع الأمن، وأخبرتهم في التحقيق بهذه الواقعة، لكنهم على ما يبدو كانوا على قناعة تامة باتهاماتهم لي.
وكان من الممكن أن يطول الأمر أكثر ويتحول إلى مأساة، لولا أن أخي اتصل بشخص كبير في الجيش نعرفه، قام بإجراء اتصالات أدت إلى الإفراج عني ونجاتي من هذه التهمة الكبيرة، التي كان من الممكن أن تقضي على مستقبلي بسبب تقرير كاذب لمخبر أمني فاشل، يتعامل مع جهاز أمني بيروقراطي متخلف، لا يهمه سوى ملء دواليبه بملفات اتهام للآلاف من المواطنين المصريين الأبرياء.
ترى كم هناك من التقارير الكاذبة والكيدية والمعلومات الخاطئة بنى عليها جهاز أمن الدولة في مصر قناعاته واتهاماته وتعذيبه واضطهاده للآلاف من أبناء مصر من المثقفين وأصحاب الفكر والسياسيين وغيرهم؟!
لم تنته مأساتي مع هذا الجهاز حتى الآن، فما زلت مجبرا مثل الآلاف غيري، على زيارة المسؤول عني هناك في مكتبه في أمن الدولة، كلما زرت مصر ليسجل عنده أن «المذكور حضر وتم استجوابه»!