رحمَ الله الصديق الساخر محمد طمليه. كتبَ، إِبّانَ التقاتلِ المخزي بين حركتي فتح وحماس، يدعوهُما إلى الاستمرارِ فيه حتى تُنهيا بعضَهما، فيرتاحَ الشعبُ الفلسطينيُّ منهما معاً. تأْتي إلى البالِ زفرةُ الكاتبِ الراحل تلك، فيما الاحتفاءُ واجبٌ بالحرارةِ التي أَشعلتها مجموعاتٌ من الشبابِ الفلسطينيين في البحثِ العويصِ عن المصالحةِ المشتهاة، ونجحت في النهوضِ بشعار «الشعب يريد إِنهاءَ الانقسام»، وستهتفُ به مسيراتٌ حاشدةٌ في فلسطين الثلاثاءَ المقبل، وهو موعدٌ على زعاماتِ «فتح» و«حماس» أَنْ تعرفَ كلٌّ منهما أَنَّ ما بعدَه ينبغي أَنْ يختلفَ عما قبله، أَو تنصرفَ الحركتان من المشهد الفلسطيني، فقد ضجرَ الشعبُ من الانقسامِ السياسيِّ والجغرافيِّ بين الضفة الغربية وقطاع غزة، المتواصلةِ تفاصيلُه شديدةُ الرثاثةِ منذ نحو أَربعِ سنوات، وتذيعُ «حماس»، في أَثنائِه، أَنَّه يعودُ إلى تمسُّكها بالمقاومةِ المسلحةِ ضد الاحتلال الإسرائيلي.

فيما غريمتها التي تقودُ السلطة تتنازلُ في المفاوضاتِ عن الثوابت الوطنية. ويحسنُ التذكيرُ، هنا، بأَنَّ ذلك الاقتتال، ثم الانقسام الذي يُشْعِرُ كلًّ فلسطينيٍ بالعار، لم يكونا لهذا السبب، بل لشعورِ «حماس» بأَنَّ حصَّتها وصلاحياتِها في الأَجهزةِ الأَمنية منقوصة، وقد فازت بالأَغلبيةِ النيابيةِ في انتخاباتِ المجلس التشريعي، واستحقَّت رئاسةَ الحكومة. يدلُّ على ذلك أَنَّ اتفاقَ مكة لم يأتِ على المقاومةِ والتفاوض، وأَنَّ بنودَ الاتفاق والاختلاف في الورقةِ المصرية للمصالحة، في المفاوضات السقيمة بين الحركتين، لم تتعلق بالثوابتِ والتنازلات.

نرمي هذا الأَرشيفَ وراءَنا، ليس فقط لأَنَّ المناخَ العربيَّ المستجدَّ هو القطعُ مع رداءاتِ الماضي والثورةِ عليها، بل، أَيضاً، لأَنَّ الأَوْلى أَنْ تنجحَ المبادرةُ الرائقةُ التي نهضت بها ثلاثةُ تكتلاتٍ شبابيةٍ فلسطينية، فيؤازِرها كل فلسطينيٍّ في كل مطرح، وهي تنظيمُ هبّاتٍ شعبيةٍ كبرى منتصف الشهر الجاري، ترفعُ شعارَ إِنهاء الانقسام.

بادرَ إِليها ثمانيةُ شبانٍ صاروا مئاتٍ ثم آلافاً، وبالتواصلِ عبر «فيس بوك»، وفي هيئاتٍ وتجمعاتٍ سرعان ما تشكلت، صار مؤيدوها مليوناً ونصفَ مليون في العالم. يدلُّ على جديّةِ هذا التحرك الوطني، أَنّ ‬180 صفحةً على الموقعِ الشهيرِ تدفعُ بمبادرةِ «شباب غزة نحو التغيير» و«شباب ‬15 آذار» و«شباب ‬5 حزيران»، وهي مجموعاتٌ في قطاع غزة تحالفت معها ‬13 مجموعة في الضفة الغربية في «الحملةِ الشبابية لإِنهاء الانقسام».

والبادي أَنَّ هؤلاء الشباب التقطوا الدرسَ الأَهمَّ في انتصار ثورتي تونس ومصر، وقد شحنهما بإِرادةٍ جسورةٍ في اتجاهِ تثوير الحال الفلسطيني، وانتشالِه من قيعانِ اليأْس والإِحباط، جراءَ انعدامِ آفاق التسوية وعجزِ أَصحاب خيارِ المقاومةِ في انتهاج مقاومةٍ مثمرة، وكذا الانقسام الذي يُراد التسليمُ به باعتبارِه قضاءً وقدراً، مضافاً إلى هذين الأَمرين وغيرهما، ما يُمارس على الشبابِ الفلسطيني من قيودٍ مشدَّدةٍ في الضفة والقطاع، دلَّ عليها (مثلا) إِغلاقُ حكومة حماس في غزة منتدى «شارك» الشبابي المدني الأَعرض في الأَراضي الفلسطينية، والذي كان قد تحدَّثَ عن تعاظم خيبةِ أَمل الشباب الفلسطينيين فيه، وحذَّرَ من تحولهم إلى «طاقةٍ تدميريةٍ لا يسلمُ منها الشعب ككل».

الطاقةُ الناهضةُ في الشبابِ الفلسطينيين تحت الاحتلال وسلطتي رام الله وغزة، تتوجهُ الآن إلى إِنهاءِ الانقسام وصولاً إلى إِنهاء الاحتلال. وإِذ يُشكِّلُ الشبابُ ‬65٪ من عدد الفلسطينيين، وينصرفُ أكثر من نصفهم عن الأَحزابِ والحركاتِ القائمة، وينشطونَ بهمةٍ نحو تجمعاتٍ أَهليةٍ عميقةِ الوعي، لا تختنقُ بالأَيديولوجياتِ والخياراتِ الفصائلية، وإِذ ينجحُ «فيس بوك» في تكتيلِهم، ما تخفقُ فيه وفي غيرِه «حماس» و«فتح»، فالأَوجبُ هو الانحيازُ إلى خيارِهم نحو إِنهاء الانقسام.

وأَنْ يستهجنَ فتحاويون تواصلَ سلام فياض مع ممثلي مجموعاتٍ منهم، وأَنْ يهجسَ خالد مشعل وإِسماعيل هنية باستثمارِ الزلزال المصريِّ لصالحِ «حماس» وشروطها في المصالحة، فهذان مسلكان يُذكِّران بالوجعِ الغافي في زفرةِ محمد طمليه غيرِ المنسيّة.