ثمَّة تباين عربي تجاه منهج «الجزيرة». ذلك اختلاف لا يقلِّل من فاعلية القناة على الصعيد العالمي. وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أطرت أداء الجزيرة. الوزيرة الأميركية رأت في تغطية القناة العربية للثورات الشعبية في المنطقة تفوقاً على شبكات التلفزة الأميركية. لمثل هذه الإشادة قيمة فوق العادة، إذ انها تأتي من شخصية فاعلة في الإدارة الأميركية. بما أن واشنطن غير متجانسة مع الجزيرة، فإن الاعتراف من الخصم يكتسي أهمية خاصة. «سواء أعجبتك أم لا فلا يمكن إنكار أنها كانت فاعلة بحق»، هكذا تحدثت هيلاري كلينتون عن القناة العربية. المفارقة أن الجزيرة لم تحتف بالمديح الصادر من خصم عنيد، القناة عودتنا الاحتفاء بالهجاء الصادر عن خصوم أقصر كعباً. ربما هدفت الوزيرة الأميركية انتقاد الشبكات الأميركية الإخبارية أكثر من إطراء الشبكة العربية.
بغض النظر عن منطلقات كلينتون، فمن حق الجزيرة التباهي بالشهادة الأميركية. تفوق القناة العربية يتجاوز تغطية الأحداث إلى المساهمة في صياغة وتشكيل توجهات الجماهير. ربما نختلف على مدى تفوق الجزيرة في تحقيق وصدقية السبق الإخباري. هذا الاختلاف لا يطال بالتأكيد قدرة القناة على جمع وجهات نظر متباينة في شأن الأحداث الساخنة على مدار الساعة.
لا أحد ينكر ريادة الجزيرة في ولوج عصر القوى الناعمة، إذ غدت السياسات الدولية ـــ إلى حد كبير ـــ وكأنها منافسة مفتوحة في سياق المصداقية. في زمن ثورة المعلومات لم تعد موازين القوى وقفاً فقط على الترسانة العسكرية والثقل الاقتصادي.
الحرب الظالمة على العراق أثبتت مدى فعالية المعلومات المروَّجة في كسب الرأي العام ومن ثم المعركة. البيانات الإخبارية تمثل السلاح الأكثر مضاءً وبريقاً في القوة الناعمة. في عصر المعلومات لم تعد الحكومات تنافس فقط حكومات أخرى، بل تواجه أجهزة إعلام ومنظمات غير حكومية وشخصيات متميزين وأناساً مغمورين. هناك رجال ونساء وشبان يخرجون من غمار الأحداث مسلحين بكاميرات هاتفية وشبكات تواصل الكترونية يقدمون شهادات حية، شهادة المواطن ـــ الصحافي ـــ الشاهد تكتسب صدقية أكثر من الصحافي المحترف أحياناً.
أجهزة الإعلام في عواصم الثورات العربية تواجه مأزقاً حقيقياً في المنعطف الحالي. هي تواجه تحدي الخروج من عباءة الحاكم الفرد إلى ظل الشعب. في مثل هذه المنعطفات تعايش الشعوب عادة فترة من الفوضى تطول أو تقصر حسب درجة الوعي الوطني. أجهزة الإعلام في طليعة الأصعدة حيث تنعكس تداعيات تلك الفوضى.
ربما لهذا نتابع انتقال الإعلام المصري، كما التونسي، من المديح العالي إلى الهجاء العالي للنظام نفسه. صحيح أن هناك أولوية للحفر في ركام النظام المنهار بغية كشف فساده واستبداده. غير أن تلك المهمة ليست الأولوية الحصرية للإعلام. ثمّة مهمة وطنية ملحة كذلك في شأن تبصير قيادات النظام الجديد بالمنزلقات والأخطاء الطازجة. الأكثر إلحاحاً ألا يمارس الإعلام دور المادح في العهد الجديد. أقصر السبل لمغادرة هذا الدور يكون عبر عرض الرأي الآخر. هذه مهمة تتطلب إحداث تغيير جذري وعاجل في العقلية القابضة على الجهاز الإعلامي.
القابضون على المظلة الإعلامية مطالبون أكثر من غيرهم بتضييق حيِّز الفوضى المنسرب في أعقاب الثورة. من المهم في الوقت نفسه التركيز على أهمية المعلومات سلاحاً فعالاً في القوة الناعمة على الصعيدين الداخلي والخارجي.
من غير المقبول ارتفاع صوت الشارع الناقد للنظام الجديد في مصر وتونس فوق صوت الأجهزة الإعلامية المرئية منها والمقروءة. تغييب أو تهميش المرأة في صياغة وجه الدولة الجديد على الرغم من فعالية دورها إبان الثورة يشكِّل أحد ملامح القصور في الأجهزة الإعلامية. هناك كذلك بون شاسع بين النقد البنَّاء وتصفية الحسابات القديمة.