عندما يتقدم طالب للالتحاق بكلية عسكرية، يخضع لفحوصات طبية واختبارات لياقة بدنية جادة للغاية، وهذا أمر طبيعي لأن هذا الشخص سيكون بعد أعوام قليلة قائدا عسكرياً مسؤولاً عن أمن الوطن، وإذا كان الأمر كذلك مع من سيقود طائرة أو سفينة أو كتيبة جيش، فما بالنا مع من سيقود الدولة كلها! ألا يجب أن تراعى فيه اللياقة البدنية والصحة التامة؟ وإذا كان الطيار الحربي يتوقف عن الطيران قبل بلوغه سن الخمسين لعدم لياقته.
فلماذا نقبل أن يتولى إدارة الدولة والوطن من تجاوز السبعين من عمره، خاصة إذا كان جديدا على المنصب، وتاريخه ليس فيه ما يؤهله لهذا الدور؟ هؤلاء الذين تجاوزوا السبعين من العمر شخصيات حكيمة وخبيرة، بلغت من الحكمة ورجاحة العقل منتهاها، ولا يتصور فيهم أن تزيد حكمتهم ورجاحة عقلهم وأفكارهم وطموحاتهم أكثر مما هي عليه بالقدر الذي يؤهلهم لقيادة الدولة، ومثل هؤلاء يصلحون كمستشارين وخبراء يستفاد من خبراتهم وحكمتهم بجوار مؤسسة الرئاسة، لكن أن يتولوا منصب الرئيس ويصبحوا هم واجهة الأمة، فهذا أمر يصعب تقبله شكلا وموضوعا.
وحسب الدراسات العلمية الثابتة، فإن هؤلاء المسنين الكبار بطبيعتهم لا يميلون للتغيير، ويفضلون بقاء الحال على ما هو عليه، هذا إذا لم ينتابهم الحنين للماضي، وليست لدى هؤلاء أية دوافع أو حتى قدرة على التغيير والإبداع والتجديد، وهذا في حد ذاته عامل غاية في الأهمية، وخاصة في الحالة والظروف الذي تمر بها دولة كبيرة مثل مصر، عانت كثيرا جدا قرابة أربعة عقود من التخلف والركود والفساد ونهب الثروات والقمع والتراجع في المكانة على كافة الساحات.
والآن مصر بحاجة إلى عملية تغيير ضخمة، تشمل كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وهذا التغيير الكبير لا يمكن بأي حال أن يتولاه أشخاص كانوا جزءا لا يتجزأ من النظام السابق، ولعبوا أدوارا بارزة في دعمه واستمراره، وقضوا عمرهم كله في خدمته حتى بلغوا من العمر عِتياً وأصبحوا غير قادرين على تفهم أدوات العصر الحديث ومتطلباته.
هذا الحديث بمناسبة إعلان الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى نيته الترشح للرئاسة في مصر، ولا أدري ماذا لدى السيد عمرو موسى الذي تجاوز السبعين من عمره منذ خمس سنوات مضت، ليقدمه لمصر بعد ثورة «الشباب»! ومع احترامنا للفنان الشعبي «شعبان عبد الرحيم» والدعاية التي صنعها للسيد عمرو موسى بأغنيته الشهيرة «بحب عمرو موسى وبكره إسرائيل»، نتساءل هنا، ماذا قدم عمرو موسى على مدى عمره الطويل لمصر وللأمة العربية كمسوغات ومبررات لترشحه لرئاسة مصر؟
لقد تولى موسى وزارة الخارجية المصرية منذ عام 1991 حتى عام 2001، وهي الفترة التي تراجعت فيها مكانة مصر بشكل حاد على المستويين الإقليمي والدولي، وكان له دور بارز في اتفاقية أوسلو 1993 التي أضاعت القضية الفلسطينية، ولم تشهد الجامعة العربية في تاريخها تراجعا وتهميشا لدورها مثلما شهدت منذ تولي موسى أمانتها عام 2001 حتى الآن، حتى أنها لم تقدم إنجازا واحدا ولم تتخذ موقفا واحدا حاسما في خضم الأحداث التي شهدتها المنطقة طيلة هذه الفترة.
ولا يتسع المجال هنا لسرد مواقف الجامعة العربية منذ غزو العراق مروراً بالحرب على لبنان وبعدها غزة، وصولا إلى الحال التي عليها الأمة العربية الآن والشارع العربي ثائر في كل مكان، بينما الجامعة العربية في سباتها العميق وأمينها ترك مكتبه وتفرغ لملء صفحات الفيسبوك بنواياه للترشح للرئاسة.
من الجيد أن لا يضع التعديل الدستوري الجديد عوائق أمام الترشح للرئاسة الذي هو حق للجميع، ولكن من حقنا أيضا أن نقول رأينا في من نختاره للرئاسة حتى لا نكرر أخطاءنا. مصر الجديدة التي صنعتها ثورة الشباب، يجب أن تتمتع بروح الشباب حتى تصنع التغيير المطلوب، وحتى تظل مصر شابة مهما شاب الزمن.