للناقد المصري والأُستاذ الجامعيِّ العتيق، الدكتور جابر عصفور، مكانتُهُ المؤَكدّةُ في مقدمةِ الفاعلين في المشهدِ الثقافيِّ العربيِّ، لإِضاءاتِهِ الثمينةِ في النقد الأَدبي والدرس الجمالي، ولدعواتِهِ الغزيرة إلى التنوير وحرية الإبداع ونبذ التطرف والتعصب، واستحقَّ، لإِنجازاتِه في هذا كله وغيرِه، عدَّة جوائز عربية (إِحداها جائزة العويس). وإِذ يقرُّ خصومٌ له بهذا، فإِنهم، في الوقتِ نفسِه، يحسبونَه من مشايعي النظامِ السابق في بلادِه، سيَّما وأَنَّه ترأَسَ مؤسساتٍ تتبعُ وزارةَ الثقافةِ التي كان يتولاها فاروق حسني، والذي أُشيعَ عن عصفور أَنَّه أَحدُ رجالِه. ولذلك، طالما رُميَ بأَنه في «أَحضان» النظام، وعملَ على إِغواءِ المثقفين به. وعلى ما في ذلك الكلامِ من مبالغةٍ، وشططٍ أَحياناً، وعلى ما في انتقادِ بعض مواقفِ الرجل من وجاهةٍ، بالنظر إلى عدمِ جذريَّتِه في غيرِ مسألة، يحسُنُ التذكيرُ بأَنَّه خدمَ الثقافةَ العربيةَ في أَثناءِ رئاستيْهِ المجلسين الأَعلى للثقافة والقومي للترجمة، وبأَنه كان فاعلاً في مؤسساتٍ تتبع الدولةَ المصرية، وليس فلاناً أَو علاناً.

لمّا قَبلَ عصفور أَنْ يكون وزيراً للثقافةِ في آخر حكومات حسني مبارك، دوّى غضبٌ منه، حادٌّ أَحيانا، أَشهره مثقفون مصريون وعربٌ عديدون، سيّما وأَنَّ مظاهراتِ الثورة المصرية كانت لا تَرضى بأَقلَّ من سقوطِ النظام. ورأَى أَصدقاءُ أَنَّ توزيرَه، في هذه اللحظة، يُجدِّدُ صدقَ رميِهم له بأَنَّه من أَهلِ النظام. ويرى كاتبُ هذه السطور أَنَّ الناقد الكبير أَخطأَ في هذا كثيراً، مع التسليمِ بأَحقيَّته في أَنْ يكونَ وزيراً للثقافةِ في غير تلك اللحظة الغلط. وإِنْ هي إِلا عشرةُ أَيام، فيعلنُ عصفور استقالتَه، وينشطُ في مقابلاتٍ في عدة فضائياتٍ وصحفٍ، لإِيضاحِ موقفِه، وبدا في إِحداها شفّافاً لمّا قال إِنَّه ساهمَ في خداعِ نفسِه، وإِنَّه إِنما أَراد حمايةَ مؤسسات مصر الثقافية في لحظةٍ حرجة، وعندما وجد أَنَّ الحزبَ الوطنيَّ الديمقراطيَّ يُهيمنُ على الحكومة، وأَنَّ فيها من ينعتُ شبابَ الثورةِ بأَوصافٍ غير لائقة، انسحبَ احتراماً لنفسه.

مراجعةُ جابر عصفور نفسَه، وحرصُه على التذكيرِ بأَنه ظلَّ من أَشدِّ مهاجمي «كوارث» ذلك الحزب، محلُّ تقدير، سيَّما وأَنَّ مشاعرَ صادقةً اتصفت بها أَحاديثُه الوفيرةُ في الأَيام الماضية، ومنها في أَبوظبي الاثنين الماضي، والتي عرَّفتنا بتفاصيلِ التفاصيل لما جرى في أَول جلسةٍ لحكومة أَحمد شفيق. وفي هذه الغضون، وجدَ الرجلُ نفسَه أَمامَ مطبٍّ من نوعٍ آخر، وهو الحرجُ الذي يلمُّ بهِ لتسلمِه في إِبريل الماضي جائزةَ القذافي العالمية للآداب (‬150 أَلف يورو)، بينما يواجهُ العقيدُ الليبيُّ شعبَه بالقتلِ والسُّباب التافِه، فأَعلنَ تخليه عن الجائزةِ التي تحمل اسم هذا «السفاح»، بحسبِ تعبيرِه، وأَنَّه يبحثُ كيفية ردِّها إلى «الشعبِ الليبي العظيم». وهنا، يجوزُ التنويهُ إلى أَنَّ الرجوعَ عن الخطأ فضيلة، ويحسنُ، معه، تذكيرُ عصفور بأَن أَسوأَ ما كان أَمرُه بشأنِ تلك الجائزة، أَنه قبلها بعد أَن رفضها خوان غويتسولو «لأَسبابٍ سياسيةٍ وأَخلاقية»، وانسجاماً مع عدم تردُّدِه في انتقادِ الأَنظمة السلطوية، وتماهياً مع مناهضتِه الأَنظمةَ الاستبدادية، على ما قال الكاتبُ الإِسباني البديع. ونقطةُ النظام هنا أَنَّ انتهاكاتِ القذافي المريعة كأَنها باغتت عصفور الذي خدعَ نفسَه، أَيضا، حين دافعَ عن قبولِه تلك الجائزة، قبل شهور، بالقولِ إِنَّه لم يتسلمها من العقيد الليبي، وبأَن لجنةَ تحكيمٍ محترمةً هي التي منحتْه إِياها. ويناقضُ الناقدُ الكبير نفسَه في انتقادِه تخلي الروائي بهاء طاهر، قبل أَيام، عن جائزةِ مبارك التقديريّة للآداب، لأَنَّ لجنةَ تحكيمٍ محترمةً منحتها له، وتضمُّ أناساً شرفاءَ يعرفهم طاهر.

هي مجرّدُ مناوشةٍ هنا مع أُستاذنا جابر عصفور الذي نبقى نجلِّه، وهو أَحدُ الذين علّمونا حريةَ النقد والتفكير، مع تهنِئَتِه على شجاعتِهِ في صراحته في الجهرِ بتناقضاته، متَّعه الله بالصحةِ والعافية.