أعلم أنه لا يوجد في التقويم يوم بهذا التاريخ، وبالتالي لا توجد ثورة بهذا الاسم، لكن هؤلاء الفرسان موجودون دائما، وثورتهم التي يزعمونها لا وجود لها ولن يكون لها وجود، رغم ادعائهم أنهم يطالبون بالتغيير! إنهم فرسان المعبد الذين دأبوا على النفاق للحكام ودعمهم وإصباغهم بصبغة القدسية، وفي نفس الوقت يقومون بتمثيل دور المعارضة لهم، ليوهموا الشعوب بأن النظام الحاكم ديمقراطي يسمح بالمعارضة والنقد. هؤلاء الفرسان لا يقودون ثورات ولا يغيرون شيئا في المجتمعات، لكنهم جاهزون دائما، في اللحظة المناسبة، للتسلق وركوب الزحف الشعبي عندما يوشك أن يسحق النظام الحاكم، أما إذا ثارت الأمور في صف النظام الحاكم ضد الزحف الشعبي فهم أنواع، منهم من يؤيد النظام ويدعي أن الزحف الشعبي تقف وراءه جهات مشبوهة، مثلما فعلوا في مصر مع إضرابات عمال المحلة عام 2007، ومنهم من يصمت خوفا، ومنهم من يلعب على الحبلين.. هؤلاء الفرسان شاهدناهم بوضوح في الثورة المصرية، إنهم زعماء الأحزاب المعارضة، وقادة الحركات والتنظيمات السياسية والمدنية التي عملت في كنف النظام الحاكم لسنوات وعقود طويلة، وغيبت الشعب بإيهامه بأنها المعارضة، في حين أنها تؤدي دور المعارضة، بدليل أنها لم تحدث ذرة تغيير في المجتمع على مدى ثلاثة عقود من السرقة والفساد العلني. هؤلاء انفصلوا تماما عن الشارع وعن الشعب، واقتربوا كثيرا من النظام الحاكم طمعا في امتيازاته وفي مقاعده النيابية الزائفة، إنهم أداة فعالة من أدوات الديمقراطية الزائفة التي تصنعها الأنظمة الحاكمة المستبدة بنفسها لتجميل النظام، هذه التشكيلات تتلقى الدعم المالي من النظام الحاكم نفسه مباشرة حسب قانون الأحزاب، حيث يمنحها النظام إيجار مكاتبها ونفقات طباعة صحفها في مطابع الحكومة، أو يتم تمويلها من رجال الأعمال الذين هم جزء لا يتجزأ من النظام.
هؤلاء الفرسان المزيفون الانتهازيون، هم في رأينا أخطر على الثورة من أعدائها، فهم يلتفون كالأفاعي، يتلونون بلون الثورة ويرفعون شعاراتها، ويرفعون أنفسهم بأنفسهم على الأكتاف أمام الكاميرات، حتى يبدون وكأنهم هم طليعة الثورة وقادتها. لقد شاهدناهم بوضوح في الثورة المصرية بعد ثلاثة أيام من اندلاعها، وبالتحديد يوم الجمعة 28 يناير، وبعضهم لم يظهر إلا متأخرا، فهم لم يجازفوا بأنفسهم في الأيام الأولى من الثورة، كما أنهم ظهروا بعد ذلك للحظات معدودة كانت كافية لأن تلتقط لهم الصور وتصورهم الفضائيات كإثبات حضور، ثم أسرعوا بمغادرة الميدان خوفا على أرواحهم، بينما عشرات الآلاف من الشعب بقوا في الميدان. بعض هؤلاء الفرسان المزيفين بادر بعقد ائتلافات وإصدار بيانات ودخل في حوارات، وبعضهم قدم نفسه منفردا وكأن هناك من يرشحه للقيادة، وبعضهم تجرأ أكثر وطرح نفسه مرشحا لرئاسة مصر، مدعيا أن هناك من يدعوه لذلك!
هذا كله في الوقت الذي لم نر فيه بعد الأبطال الحقيقيين للثورة، من الشباب الذين ضحوا بأرواحهم وألقوا بأنفسهم للتهلكة وفتحوا صدورهم لرصاص الأمن القمعي، هؤلاء لم نرهم ولم نتعرف عليهم إلا بعد أن سقط النظام، وشاهدناهم جماعات على شاشات الفضائيات وهم يزكون بعضهم البعض، ويأبى كل منهم بشدة أن ينسب لنفسه أي فضل في أي شيء، ولم نسمع منهم أي تزكية أو ترشيح لأي فارس من فرسان الثورة المزيفة.
لم نسمع شباب الثورة المصرية يرشح أو يمدح، لا البرادعي ولا عمرو موسى ولا زويل، ولا رؤساء الأحزاب القائمة، ولا الإخوان المسلمين ولا غيرهم.. هؤلاء الشباب هم أبطال الثورة الحقيقية وصناعها، وهم على قدر كبير جدا من الوعي السياسي أكبر مما كنا نتصور بكثير، وهم الأجدر بالصدارة، لأنها ثورتهم ومستقبلهم ووطنهم الذي ضحوا بأنفسهم من أجله، بينما كنا نحن والفرسان الزائفون نائمين مستسلمين، وكثير منا منافقون.