حَدَثَ في مثلِ هذا اليوم، قبل أَربعةِ أَعوام، أَنَّ الصحافةَ العربيةَ خسرت قلماً رائقاً، واسماً استثنائياً في الكتابةِ الذكيةِ والالتزامِ السياسي والمبدئيةِ الفكرية، هو جوزف سماحة، اللبناني الجنسية الفلسطيني الانتماء والديمقراطي الرؤية والقومي الهوى، وقبل ذلك وبعده، المعلق والصحافي والكاتب الذي كانت مشاغله تعْصى على الحصر، فتجدْ رحابةَ اهتماماتِهِ بسعةِ العالم، وتشفُّ مقالاتُه عن درايةٍ مكينةٍ وقدرةٍ شديدةِ العمق في التأْشيرِ إلى الجوهريِّ في ما تناوَلَ من مستجداتٍ ووقائعَ وحوادث. وأَظنُّنا، نحنُ المشتغلين في الصحافةِ والكتابةِ، نفتقدُ بيننا في هذه الأَسابيعِ العربيةِ الثمينةِ أَكثرَ ما نفتقد جوزف سماحة، لفرطِ ما كانت عليه تحليلاتُه واجتهاداته من رهافة. وأَظنه كان سيكتبُ من أَحسن ما يلزمُ أَن نقرأَ، عن التغييرِ الباهر الذي اندلع في تونس ثم أزهر في مصر، وعن التقتيلِ الجاري في ليبيا، لأَنه لم يكنْ يتسامح مع أَيِّ استسهالٍ أَو استخفافٍ في الكتابةِ الصحافية، لأَنها مهنة، وعلى كل صاحبِ مهنةِ أَن يُجيد فيها، أو ينصرف إلى غيرها. بقي جوزف أَميناً لرؤيتِه الصائبةِ هذه، في مسارِ احترافِه كتابةَ الرأْي والتعليقِ السياسي، منذ بواكيرِه في «السفير» ثم مجلةِ «اليوم السابع» في باريس، مروراً بعودتِه إِلى «السفير» وانتهاءً بالمحطةِ الأَخيرة في حياتِه القصيرة، صحــيفة «الأخـــبار» التي أَسســـها مــع صـــحافي لبــناني زميل، ووقعَ قراءُ «البيان» وزميلاتٌ أُخريات على الحذاقة الحارّة في مقالاته فيها.

كان طيِّباً من «السفير» أَنها جمعت مختاراتٍ من مقالاتِ الراحل الكبير فيها ونشرتها في كتاب (‬518 صفحة)، وكان راقياً من «الأخبار» أَنها أَصدرت كتاباً (‬694 صفحة) يضمُّ مختاراتٍ أُخرى له من «اليوم السابع». والفائدةُ مؤكدّةٌ وكُبرى في إِعادة قراءَة المقالاتِ والتعليقات فيهما، وهي تعودُ إِلى بعضِ الثمانينات والنصف الأَول من العقدِ الماضي. التحولاتُ في أوروبا الشرقية، وأحوال لبنان وفلسطين وغزو العراق وأَوضاعٌ عربيةٌ، والسياستان الأميركية والإِسرائيلية، وكذلك إِضاءاتٌ ثقافيةٌ وفكريةٌ في غير مسألة، بعضُ ما يحضرُ في الكتابين اللذيْن تعينُ إطلالةٌ جديدةٌ على مضامينِهما في الانتباهِ إلى إِحالاتٍ مهمةٍ إلى كثيرٍ مما يجري الآن في غيرِ بلد. وإِذ من المهم أَن يعمدَ زملاءُ جوزف ومحبوه وتلاميذُه إِلى جمعِ مقالاتٍ أُخرى عديدة له، وإِعادة إِصدارها في كتب، فذلك لأَنَّ كتاباتِه اتصفت دائماً بقدرةٍ بديعةٍ على ربطِ تفاصيل المستجدّاتِ في حينِها بفضائِها العام، وبغيرِ العابرِ والعرضيِّ بشأنها، وبالخيوطِ الإِقليمية والعربية والدولية المتصلةِ بها، وذلك كله بعباراتٍ رشيقةٍ وجملٍ أَنيقة، وبلغةٍ موحيةٍ تتسلحُ بثقافةٍ رفيعةٍ لدى صاحبِها في الأَدب والتاريخ، وبمعرفتِه العميقةِ بما وراءَ الظواهر والوقائع والحوادث وخلفياتِها. وكثيراً ما سألتُ نفسي عن الوقتِ كيف توفَّرَ لجوزف ليقرأَ كل ما قرأَ قبل أَن يكتب ما كتب، عن تأّزمٍ في الجزائر أَو انتخاباتٍ مبكرة في إيطاليا أَو فوز كاتبٍ عنصريٍّ اسمه ف. س. نايبول بجائزة نوبل للآداب (مثلاَ)، وصحَّ ما وصف به زميلٌ جوزف مرَّةً بأَنه في ما كتبَ كان «صانعَ الأَسئلةِ الصحيحةِ وساحرَها».

أَتذكَّرُ الصديقَ العزيز الباقي في خواطري، جوزف سماحة، بفقدٍ شخصيٍّ هنا، لأَنَّ إيقاعَ نهاراتي اختلفَ بعد وفاتِه، فغالباً ما كانت فيها حصّةٌ لازمةٌ لمطالعةِ إطلالتِهِ في هذه الصحيفة أَو تلك، وذلك في زمن الانترنت بعد وداعي انتظاراتي الأسبوعية لمقالاتِه في مجلة «اليوم السابع»، قبل أَن تتوقفَ بقرارٍ ما عشيّةَ حربِ الخليجِ الثانية. أَتذكَّرُ جوزف، ليس فقط لأَنني احترمتُهُ إِنساناً نبيلاً وسخياً في مشاعرِه الطيبة، بل أَيضاً وأَيضاً، أَتذكره قلماً موفورَ البراعةِ، يتعاظمُ الإِحساسُ بخسارتِه ونحنُ نشهدُ الآنَ أَنَّ العربَ ينعطفون في غيرِ بلدٍ إِلى زمنٍ آخر، وهو الذي كان خيارُه مقاومةَ كلِّ خراب في كلِّ مطرحٍ عربي، وبشجاعة طبعاً.