ثمة معيار فاصل بين الثورة والإصلاح. الثورة لا تقبل أنصاف الحلول. الثورة فعل متكامل يستهدف إزالة واقع متحسر بغية واقع جديد هو بالضرورة أفضل. الإصلاح محاولات غايتها تجميل الواقع دون المساس بركائزه الأساسية. مادام توصيف الثورة هو الغالب ـ حد الإجماع ـ على ما حدث في مصر فإنه لا مجال للتوقف عند منتصف المشوار. إزالة الواقع المتخسر عملية سياسية متكاملة ربما تتطلب الأناة غير أنها تستوجب الديناميكية. الثورة تتطلب الاحتفاظ بجذوة الفعل وعنفوانه.

من الممكن الاتفاق مع مقولة مجلس قيادة الجيش «هذا ليس وقت تصفية الحسابات». لكن يصح في الوقت نفسه القول «هذا ليس أوان النوايا الطيبة. المقولة العسكرية تتضمن قدراً غير قليل من التثبيط بقدر ما تنطوي على الكثير من التعمية».

العملية الثورية لا تقبل الشخصنة. هي فعل جماعي يستهدف إزالة ركام من طبقات الاستبداد والفساد. في الخارطة المصرية تشكل جيوب الاستبداد والفساد تضاريس لا تخفى عن العيون. هذه طبقات لا تقبل الثورة التعايش معها. تلك جيوب لا تحتمل الثورة بقاءها. عملية إزالة الواقع البائد تستهدف ظواهر محددة أكثر من أشخاص بعينهم. الوعي كما الانضباط هما الضمانتان لتجاوز ما أسماه قادة الجيش «تصفية الحسابات». حتى الشخوص المتواجدين أمام رياح التغيير معروفون لدى الجميع بل هم يدركون ضرورة ابتعادهم غير أنهم لن يتطوعوا ما لم تهزهم رياح التغيير أو تزحزحهم. في الحالة المصرية يتضح أكثر من التجربة التونسية خلاصة مفادها أن رحيل الرئيس لا يعني سقوط النظام. كل مؤسسات الدولة محط غضب الجماهير لاتزال فاعلة. الثورة لا تستهدف فقط إزاحة الرئيس. الشعب أراد تغيير النظام. تلك عملية تعني هدم مؤسسات النظام ودستوره. الذهاب على طريق التعديل يعني إخماد جذوة الثورة وتحويرها إلى عملية إصلاح.

إبطاء عملية التغيير تفسح مجالاً أمام حرس النظام القديم لاحتواء الثورة إن لم يكن الانقضاض عليها. الحديث عن الثورة المضادة ليس وهماً في السياسة كما في الفيزياء لكل فعل رد فعل مضاد ومواز له في الاتجاه.

بالإضافة للحفاظ على امتيازاتهم ومصالحهم يحاول هؤلاء المنغمسون في الاستبداد والفساد تفادي مواجهة العدالة. سبل إجهاض الثورة تشكل في خيارات واسعة أدناها إبطاء الفعل الثوري وتخذيل الجماهير صاحبة المصلحة الجوهرية. في كلتا الحالتين يتم تلبيس الخيارات الخادعة بحجج تبدو عقلانية فتنطوي على البعض.

هناك مؤسسات لم يعد بقاؤها مبرراً. ثمة رموز يصبح استمرارها غير محتمل. على النقيض فإن بقاء تلك المؤسسات والرموز يجسد انتصار النظام القديم وهزيمة الثورة.

الخوف على إجهاض الثورة قبل بلوغ غاياتها لا يصدر فقط عن المعسكر المضاد. ثمة قوى سياسية داخل معسكر الثوار تتربص للانقضاض على الثورة. هؤلاء يستهدفون اختطاف المكاسب أو احتكار السلطة.

من غير المستبعد ان يتحول التربص إلى صراع يذهب على طريق تصفية الثوار عوضاً عن تصفية طغيان الاستبداد والفساد القديمة. الثورة تأكل بنيها منذ عرف الإنسان الثورة والثورة المضادة. الثورة الإيرانية مثال صارخ للصراع داخل القوى المتحالفة لإنجاز عملية الإطاحة بنظام الشاه. في الحالة المصرية تبدو فرص محاولات الانقضاض على الثورة من الداخل والخارج متساوية. هذا واقع فرضته الحالة الثورية المباغتة إذ أربكت المتحالفين داخل الثورة كما أربكت خصومهم. في ظل الارتباك ارتضى الجميع واقعاً آل الأمر فيه لمن لا يستحق بمنطق الثورة وربما بمنطق الثورة المضادة كذلك. من المفارقة ان الوسطاء بين المعسكرين قبضوا على زمام الثورة.

هي مفارقة مبررة إذ أثر أكثر المتربصين بالثورة من داخلها وخارجها التراجع عن الواجهة. كلاهما يترقب الفرصة المواتية للانقضاض. المخاض المباغت أضر بالثورة إذ بلغ ذروته قبل ان تخرج الثورة قيادتها الشرعية من رحمها. كل القيادات جاءت من خارج رحم الثورة.