من عيوب الفكر السياسي العربي الحديث، وما أكثرها، عيب خطير يسبب الكثير من التضليل، وهو عيب تعميم المفاهيم والمفردات، وهو العيب الذي يبعدنا في حديثنا وخطابنا السياسي عن العلمية والموضوعية والمصداقية. ومن المفردات الشهيرة المصبوغة بالتعميم عندنا «حكم العسكر»، والتي عندما نسمعها لا نتوقع أن نسمع خيراً، بل أصبحت هذه المفردة مرادفاً مباشراً لمعاني التخلف والاستبداد والقهر والديكتاتورية، ولا ندري بالتحديد لماذا هذا الحكم على العسكر، وكأنهم فئة سيئة السمعة ومرفوضة من الشعوب، أو أن العسكر متخلفون وجهلة لا يفقهون شيئا في السياسة والإدارة، في حين إننا عندما نتحدث عن الأمجاد والبطولات ونحتفل بالأعياد الوطنية، نمجد العسكر وبطولاتهم واستشهادهم من أجل الوطن!
أعتقد أن هذه المقولة انتشرت بعد قيام تنظيم الضباط الأحرار في مصر بثورة 23 يوليو عام 1952، هذه الثورة التي غيرت مجرى التاريخ في مصر وفي العالم العربي، وكان لها تأثير كبير على الساحة الدولية، وقد شن الغرب والقوى المناوئة في العالم العربي، حربا دعائية قوية ضد ثورة يوليو والنظام الذي أتت به، وزادت حدة هذه الحرب بعد رحيل الزعيم جمال عبد الناصر، وما زالت مستمرة، على الرغم من أن الشعوب العربية جميعها من المحيط إلى الخليج، كانت وما زالت تشيد بالزعيم ناصر وتحلم بمجيء زعيم مثله، وما زال عهد عبد الناصر يطلقون عليه العصر الذهبي لمصر وللعرب، وما زال ناصر بعد رحيله بأربعين عاما ترفع صوره في الحشود والمظاهرات الشعبية في مختلف أنحاء الوطن العربي، وقد شاهدناها كثيرا في ثورة 25 يناير الأخيرة في مصر. لا توجد قاعدة أو مبدأ يجعلنا نُسلم أن العسكر لا يصلحون لحكم الشعوب، وليس كل نظام على رأسه عسكري يمكن اعتباره حكم عسكر، خاصة إذا كان الباقون أو معظمهم ليسوا من العسكر.
المجتمع الذي يخلو من المؤسسات الدستورية والمدنية الصحيحة والراسخة، يكون معرضا دائما للاضطرابات وعدم الاستقرار وتنتشر فيه مظاهر الفساد، وفي مثل هذه المجتمعات يصبح العسكر، في رأيي هم الأقدر والأجدر بالقيادة، ومن نأتمنهم على الجيوش ومواجهة الأعداء وفداء الوطن بحياتهم.. كيف لا نأتمنهم على الوطن؟ البعض يرى أن العسكر لا يعرفون الديمقراطية ومستبدون في حكمهم، ويبقون في الحكم بالقوة والاستبداد والقمع، وهذا غير صحيح، لأن طبيعة المجتمع وبنيته هي التي تصنع الحاكم وتوجهه وليس العكس، وكأن غير العسكر هم الشرفاء الأنقياء وهم دعاة الديمقراطية والحرية الذين لا يعرفون الاستبداد والقمع والإرهاب! والغريب في الأمر أن هذه المقولات المغلوطة لا نسمعها إلا في مجتمعاتنا العربية، ربما لأن العرب الآن هم حقل التجارب الأول في العالم لتطبيق الديمقراطية الجديدة القادمة عبر المحيط.
التاريخ يزخر بالعديد من الأمثلة على القادة العسكريين الذين بنوا أمجاد بلادهم، وصنعوا منها دولاً كبيرة وعظمى، ولا يتسع المجال هنا لذكر الكثير منهم، وهناك دول مثل أميركا ما زالت تفتخر بقادتها من العسكر وتحتفل بذكراهم، أمثال روزفلت وترومان وغيرهما، وما زال الضابط تشرشل مقدساً في بريطانيا، وما زال الماريشال ديغول رمزا كبيرا في فرنسا، وما زالت تركيا تمجد باني نهضتها الحديثة كمال أتاتورك، وما زالت يوغسلافيا المقسمة كلها تتذكر أمجاد الماريشال تيتو، والأمثلة كثيرة لا حصر لها.. أما نحن العرب فعلينا أن نتوخى الموضوعية في استخدام المفردات السياسية، ولا نردد المقولات التعميمية الواردة إلينا من جهات لا تريد لنا الخير، ولا تريد أن يحكمنا العسكر لأنهم أجدر فئات الشعب بمعرفة العدو من الصديق، ويكفينا نحن العرب ما خسرناه طيلة ثلاثة عقود مضت، زرعنا فيها كل أنواع العداوات بيننا، بينما ذهبنا نتوسل إلى عدونا الحقيقي والوحيد، نلتمس منه أن يقبل منّا السلام معه!