دلّت زغاريدُ العرب من المنامةِ إلى نواكشوط، بعد نجاحِ ثورةِ أَشقائِهم المصريين، على أَنَّ لكلِّ فردٍ منهم حصّته من الفرحِ بهذا المنجز الباهر. ولا يَصدرُ تأكيدُ هذه الحقيقة هنا عن النزوعِ القوميِّ إياه، بل عن بديهيةِ أَنَّ انتشالَ مصر نفسَها مما هي فيه منذ ‬35 عاماً، سينعطفُ بالعربِ إلى غير الانحطاطِ الراهن، ويعينُهم على الخروجِ من قيعانِ التردّي التي يقيمون فيها. وإِذ تعصى على العدّ رداءاتُ المرحلة الماضية، فإنَّ العربَ ظلوا يستشعرون أَنها جعلَت مصر تبدو قليلةً وصغيرةً في فضائِها العربي الأَرحب، ومحدودةَ الفاعلية في العالم، فيما هي مؤهلةٌ لتكون رافعةً، سياسيةً واقتصاديةً وعلميةً وثقافيةً، في العالم الثالث، ولتتصدَّر مطرحاً متقدماً في العالم كله، من حيثُ العافيةِ التنمويةِ والفاعليةِ السياسيةِ والحداثةِ المدنيّة، إذ لم تكن يوماً أقل توفراً على الإمكاناتِ والقدراتِ لهذا كله وغيره، من تركيا وماليزيا وإيران وكوريا (مثلا). وأَولُ ما يحسنُ التنويهُ إِليه في هذا المقام، هو أَنَّ تحقّق هذا الطموح مرهونٌ، أَولاً وتالياً، بقيامِ نظامٍ ديمقراطيٍّ حقيقيٍّ في مصر، تتعزَّز فيه كلُّ آلياتِ الرقابةِ والمحاسبةِ الواجبة، ويتطلعُ برؤيةٍ متوثبةٍ إلى المستقبل بإرادة غير مرتهنةٍ لاشتراطاتِ الخارج وخياراتِ الأجنبي.

عفنٌ ثقيلٌ ظلَّ شديدَ الوطأَة على غير صعيدٍ، عانت مصر منه في العقودِ الماضية، وهي تحتاجُ إلى وقتٍ لالتقاطِ الأَنفاس أَولاً، ثم البدء في ورشٍ نشطةٍ في اتجاه تنظيفِ البلد منه، ومن تغوّلِ الفسادِ والنهبِ الأَسودين، وكذا تزويرُ إرادة الشعبِ في انتخاباتٍ، وغيرها من ممارساتٍ، لا وظيفةَ لها سوى تقويةِ المتربحين، من أَهلِ المالِ والأعمال عديمي الإِحساس بالمسؤوليةِ الوطنيةِ تجاه بلدِهم، بنفوذٍ شاسع، ما جعلَ خمسَ السكان يستحوذون على ‬41٪ من الدخلِ القومي، وربعُ الشعبِ يقيمُ في العشوائياتِ والأَحياءِ البائسة، فيما بذخُ ‬3٪ وإِنفاقُهم إمبراطوريٌّ، ورفاهيةُ أَزيدَ منهم قليلاً، مستفزةٌ في مجتمعٍ صيَّره هؤلاء محتاجاً إلى استيرادِ سلعٍ تموينيةٍ استراتيجيةٍ كثيرة، فيما مصرُ بلدُ خيرٍ وعطاء، وهبها الله إمكاناتٍ وثرواتٍ طبيعيةٍ وفيرة.

وأَدمغةً وكفاءاتٍ وخبراتٍ عديدةً في التخطيطِ والإدارة، ما يجعلها بلداً منتجاً، ونمراً اقتصادياً بلا أيِّ مبالغة. أَخذتها خياراتٌ متحكّمةٌ ورديئةٌ إلى نموذحٍ متوحشٍ من الخصخصة، تسبَّبَ في تدميرِ مؤسساتٍ عديدةٍ في القطاعِ العام وبيعِ شركاتٍ رئيسيةٍ فيه، كان لها دورُها في مرحلةِ البناء والتعمير والإنتاج الناصريّة وبعض الساداتية، بأَثمانٍ، أَفادَ عارفون بأَنها أَهدرت أَزيدَ من ‬170 مليار جنيه، وتوازى ذلك كله وغيرُه، مع دفعِ مصر إلى أَنْ تصيرَ أَولويتها بناءَ المنتجعاتِ والمدنِ السياحيةِ والفنادق الكبرى، ومع تأخرٍ في جودةِ التعليم، وفي تيسيرِ الخدماتِ الصحيّة اللأزمة للشطر الأوسع من الشعب.

يحقُّ لنا، نحنُ العرب، أَن نستعجلَ عودةَ مصرِنا إِلينا، لكننا مدعوون إلى أَنْ نعرفَ أَنَّ إصلاحَ مكانة مصر في الخارج، ليس ممكناً قبل إصلاح الداخل الذي أَنهكته سوءاتٌ عميقة، بالمعنى الجيولوجيِّ للكلمة. ندعو الله أَنْ يُوفّقَ شبابها الباهر ونخبَها ذاتِ الكفاءَة والنظافة، وكلَّ شعبها البهيِّ دوماً في كفاحِه وصبرِه (وفنونِه ونكاتِه أَيضاً)، في مسيرةِ الإِصلاح الجذرية التي ستذهبُ إليها مصر، لتغادرَ المراتبَ الأولى بين الدول التي تتفشّى فيها جرائمُ الفساد ونهب المال العام، وبين الدول ذاتِ التخطيطِ السيئ في صنعِ أَولوياتها، وفي ارتهانِها لشروطِ صندوق النقد الدولي والمعونات الأميركية.

بإيجاز، مصرُ الجديدةُ القويةُ في الداخل، المحصَّنةُ بالمناعةِ الذاتيّةِ ضد التبعيةِ المقيتة، والمستقلةُ في قرارها السياسي، هي التي ننتظر نحن العرب، فلكلٍّ منا حصّةٌ في هذا البلد الذي رآه نابليون بونابرت في زمنِه أَهمَّ بلدان العالم، وفي وسعِ المصريين، ونحن معهم، أَن يحلموا بأن تصيرَ بلدُهم كذلك في زمنٍ مقبل.